وبعد هذه المقدمة اليسيرة فإن المراد هو: بيان أن الرئاسة سبب من الأسباب التي دفعت الكفار للاستهزاء بالإسلام ودعاته. وعليه مدار الحديث في هذا المقام.
وإذا نظر القارئ المتمعن المتدبر في قوله تعالى: (وَكُلَّمَا مَرَّ عَلَيْهِ مَلَأٌ مِنْ قَوْمِهِ سَخِرُوا مِنْهُ) ، فإنه يلاحظ أن الذين يقومون بالاستهزاء والسخرية من نوح - عليه السلام- هم الملأ.
فنوح - عليه السلام- يصنع السفينة، وكل قوم نوح يمرون به ويرونه، ويرون صناعاته السفينة ولكن الملأ هم الساخرون - فقط - وليس أحد غيرهم. فلماذا الملأ هم الساخرون - فقط - من نوح - عليه السلام-؟! وقبل ذلك من هم الملأ؟
الملأ هم الرؤساء في القوم، وهم الأشراف الذي يملأون صدور المحافل بإجرامهم، ويملأون القلوب بجلالهم وهيبتهم، ويملأون الأبصار بجمالهم وأبهتهم [1]
فلماذا الملأ هم المستهزئون؟ ولماذا يركز القرآن الكريم على إظهار دور الملأ في مواجهة الأنبياء سواء بالتكذيب أو الاستهزاء؟
فعلى سبيل المثال لا الحصر:
يقول تعالى - في سياق قصة نوح- عليه السلام-: (قَالَ الْمَلَأُ مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي ضَلَالٍ مُبِينٍ) [2]
ويقول تعالى - في سياق عرض قصة هود - عليه السلام: (قَالَ الْمَلَأُ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ قَوْمِهِ إِنَّا لَنَرَاكَ فِي سَفَاهَةٍ وَإِنَّا لَنَظُنُّكَ مِنْ الْكَاذِبِينَ) [3]
(1) انظر حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص 776.
وانظر العمادي، إرشاد العقل السليم إلى مزايا الكتاب الكريم، مصدر سابق، الجزء 1، ص.285
(2) سورة الأعراف / 60.
(3) سورة الأعراف / 66.