فبنو إسرائيل لا يثقون بقول أنبيائهم. بل يعاملون أنبيائهم بقلة أدب وسفه وجهالة؛ حيث قالوا لنبيهم: (أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا) أي نسألك عن أمر القتيل وتأمرنا بذبح بقرة ولا جامع بينهما [1] . إن هذا لهو الهزء بعينه، أن يتهم قوم نبيهم بالاستهزاء بدين الله وأوامره.
والشاهد من إيراد هذه الآية هو أن الجهل سبب من أسباب الاستهزاء بدين الله؛ حيث إن قوم موسى - عليه السلام - اتهموه بالاستهزاء بأوامر الله ودين الله؛ حيث قال لهم: (إن الله يأمركم أن تذبحوا بقرة) فاتهم بنو إسرائيل نبيهم بأنه يهزأ بأمر الله. فاستعاذ موسى - عليه السلام - من الجهل؛ لأن الجهل سبب من أسباب الاستهزاء بدين الله.
وفي ذلك يقول الفخر الرازي كلامًا نفيسا: " إن الاشتغال بالاستهزاء لا يكون إلا بسبب الجهل، ومنصب النبوة لا يحتمل الإقدام على الاستهزاء، فلم يستعذ موسى - عليه السلام -
من نفس الشيء الذي نسبوه، لكنه استعاذ من السبب الموجب له " [2]
والذي يظهر من كلام الرازي هو أن الجهل سبب من أسباب الاستهزاء، وأن الجهل موجب للاستهزاء. وقال الرازي عن هذا الوجه في تفسير الآية"هذا الوجه الأقوى" [3]
ولكن ما هو معنى الجهل في هذه الآية، وقد ذكر الراغب الأصفهاني ثلاثة معان له وهي:
"الأول: خلو النفس من العلم ( ... ) "
الثاني: اعتقاد الشيء بخلاف ما هو عليه.
الثالث: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل سواء اعتقد فيه اعتقادا صحيحا أو فاسدا" [4] "
فما هو معنى الجهل في هذه الآية؟ إن معنى الجهل في هذه الآية هو: فعل الشيء بخلاف ما حقه أن يفعل؛ لأن موسى -عليه السلام - لم يتهم بخلو نفسه من العلم، ولم يتهم
(1) انظر صديق بن حسن القنوجي (ت 1307 هـ/ 1889م) ، فتح البيان في مقاصد القرآن، الجزء 1، الطبعة 1، دار الكتب العلمية، بيروت، 1999 م، ص 140.
(2) محمد بن عمر الرازي (ت 604 هـ /1208) ، مفاتيح الغيب، الجزء 3، الطبعة 3، دار الفكر، لبنان، 1985م، ص 126.
(3) المصدر ذاته، الجزء 3، ص 126.
(4) حسين بن محمد، مفردات ألفاظ القرآن، مصدر سابق، ص 209.