وربما يكون عبد الواحد بن زيد ورابعة العدوية (1) من أقطاب هذه المرحلة الانتقالية, واستحدثت كلمة العشق للتعبير عن المحبة بين العبد والرب ويرددون أحاديث باطلة في ذلك مثل:"إذا كان الغالب على عبدي الاشتغال بي جعلت نعيمه ولذته في ذكري عشقني وعشقته"وبدأ الكلام حول العبادة لا طمعًا في الجنة ولا خوفًا من النار, وإنما قصد الحب الإلهي, وهذا مخالف للآية الكريمة:"يدعوننا رغبا ورهبًا" (2) . ومثل قول رابعة لرجل رأته يضم صبيًا من أهله ويقبله:"ما كنت أحسب أن في قلبك موضعًا فارغً لمحبة غيره تبارك اسمه" (3) . وهذا تعمق وتكلف لأن الرسول صلى الله عليه وسلم كان يقبل أولاد ابنته ويحبهم .
يقول ابن تيمية: ملاحظًا: هذا التطور:"في أواخر عصر التابعين حدث ثلاثة أشياء: الرأي , والكلام, والتصوف, فكان جمهور الرأي في الكوفة, وكان جمهور الكلام والتصوف في البصرة, فإنه بعد موت الحسن وابن سيرين ظهر عمرو بن عبيد وواصل بن عطاء وظهر أحمد بن علي الهجيمي (4) وبنى دويرة للصوفية وهي أول ما بني في الإسلام ( أي دار خاصة للالتقاء على ذكر أو سماع ) وصار لهم من التعبد المحدث طريق يتمسكون به, مع تمسكهم بغالب التعبد المشروع, وصار لهم حال من السماع والصوت, وكان أهل المدينة أقرب من هؤلاء في القول والعمل, وأما الشاميون فكان غالبهم مجاهدين" (5) .
(1) تكلم فيها أبو داود السجستاني واتهمها بالزندقة, فلعله بلغه عنها أمر, توفيت بالقدس سنة 185هـ. انظر: ابن كثير/ البداية والنهاية 10/186 . قال ابن تيمية: قال بعضهم: مَنْ عَبَدَ الله بالحب وحده فهو زنديق, ومَنْ عَبَدَ الله بالخوف وحده فهو مؤمن موحد. انظر الفتاوى 10/81.
(2) الأنبياء/90.
(3) سير أعلام النبلاء 8/156.
(4) كان تلميذ شيخ البصرة عبد الواحد بن زيد, وكان يتكلم في القدر, وقف دارًا بالبصرة لمتعبدين. قال الدارقطني: متروك الحديث قال الذهبي: ما كان يدري الحديث, ولكنه عبد صالح وقع في القدر نعوذ بالله من ترهات الصوفية. توفي سنة 200هـ انظر: سير أعلام النبلاء 9/408.
(5) الفتاوى: 10/359.