الصفحة 54 من 73

كان أوائل الصوفية أصحاب مجاهدات وعبادات , صادقين مع أنفسهم وإن كانت بعض أعمالهم فيها تعمق وتشدد ومخالفة للسنة ما سبق أن قررنا , ثم ظهر بعد ذلك أجيال بنوا التكايا والزوايا وهي دكاكين للبطالة والطبل , مستريحين من كدّ المعاش , متشاغلين بالأكل والشرب والغناء والرقص , يطلبون الدنيا من كل ظالم , وأين جوع (بشر) وورع (السري) وأين جد (الجنيد) (1) , مع أن بناء الربطة والتكايا ولو لتعبد والإنفراد هو بدعة في حد ذاته لأن بناء آهل الإسلام المساجد , وبناء التكايا فيه تشبه بالنصارى لإنفراده بالأديرة. وقد قيل لبعض الصوفية أتبيع جبتك؟ قال: إذا باع الصياد شبكته فبأي شيء يصطاد وقد استغرب الإمام محمد بن الحسن الشيباني من أكلهم الطعام عند الناس لا يسألون عن حلال أو حرام (2) .

ونسو أو تناسوا أن الإسلام يأبى الركون إلى الكسل والبطالة , وأن الزهد هو ترك ما في أيدي الناس والاستغناء عنه تنزهًا , وليس الحصول على ما في أيدي الناس تنطعًا , وقد نهى رسول الله صلى الله عليه وسلم عن السؤال وأمر بالاكتساب والعمل فقال:"لأن يحتزم أحدكم حزمة من حطب على ظهره فيبيعها خير من أن يسأل رجلًا فيعطيه؟ أو يمنعه" (3) , وقال صلى الله عليه وسلم"اليد العليا خير من اليد السفلى" (4) .

وكان سعيد بن المسيب يتجر بالزيت وكان أبو حنيفة يتجر بالقامش ... هكذا كان كبار العلماء والزهاد يعملون بأيديهم ويتحرون الكسب الحلال.

(1) انظر ما كتبه ابن الجوزي وأطال في بطلات الصوفية في كتابه: تلبيس إبليس.

(2) الكسب / 44.

(3) النسائي 3/ 93 باب الزكاة.

(4) نفس المصدر 3/ 60.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت