شعبة من شعب الغلو الذي وقعت فيه الصوفية بل من شعب الكفر , وهو مزيج من الغلو في رسول الله صلى الله عليه وسلم والتأثر بالفلسفة اليونانية في تقريرها لأول مخلوق , والتأثر بالنصرانية التي أضفت صفات الربوبية على المسيح عليه السلام.
والمشكلة أن هذه التي يسمونها (الحقيقة المحمدية) هي غموض كامل وعماء في عماء , ولأنها نشأت في الأصل من خيال مريض وأوهام ليس لها أي رصيد في الواقع , ولذلك نلاحظ أن أقوالهم في تعريفها أو الكلام عنها غامضة أيضًا , فالرسول صلى الله عليه وسلم أول موجود وأول مخلوق وهو القطب الذي تدور عليه أفلاك الوجود من أوله إلى آخره (1) , وهو الذي منه انشقت الأسرار ولا شيء إلا وهو به منوط (2) , وهو عين الإيمان والسبب في وجود كل إنسان (3) . وكأن الصوفية لم يستسيغوا أن يقال: إن رسول الله صلى الله عليه وسلم هو كما وصفه القرآن الكريم بشرًا رسولًا وقد جعلوا أقطابهم تتصف بما وصف الله سبحانه وتعالى نفسه , فكيف برسول الله صلى الله عليه وسلم فابتدعوا ما أسموه (الحقيقة المحمدية) وعلى أساس هذه النظرية ندرك مغزى ما يقول البوصيري:
وكل آي أتى الرسل الكرامُ بها فإنما اتصلت من نوره بهم
وقوله:
وكيف تدعو إلى الدنيا ضرورة من لولاه لم تخرج الدنيا من العدم
وقول ابن نباته المصري:
لولاه ما كان أرض ولا أفق ولا زمان ولا خلق ولا جبل
(1) ظهر الإسلام 4/ 220 ومعنى القطب الذي تدور عليه الأفلاك أنه المتحكم في حركتها وسكناتها , وهو الذي يدير مادق وجل من أمورها وهذه هي حقيقة الألوهية وهي عن نظرية العقل الفعال المستمدة من الفلسفة اليونانية.
(2) هذه هي الصوفية / 87 والكلام لابن مشيش.
(3) زكي مبارك: التصوف 1/ 233.