رابعًا: إن معجزة هذا الدين الكبرى هو القرآن الكريم الذي أنزله الله على قلب محمد صلى الله عليه وسلم , وعندما طلب منه صلى الله عليه وسلم معجزات مادية رفض ذلك لأن هذا ليس هو منهج هذا الدين وقد ذكر القرآن الكريم هذا الطلب , قال تعالى:"وقالوا لن نؤمن لك حتى تفجر لنا من الأرض ينبوعًا , أو تكون لك جنة من نخيل فتفجر الأنهار خلالها تفجيرًا أو تسقط السماء كما زعمت علينا كسفًا , أو تأتي بالله والملائكة قبيلًا أو يكون لك بيت من زخرف أو ترقى في السماء ولن نؤمن لرقيك حتى تنزل علينا كتابًا نقرؤه , قل سبحان ربي هل كنت إلا بشرًا رسولًا" (1) .
كما أمر صلى الله عليه وسلم أن يبرأ من دعوى الغنى والقدرة وعلم الغيب إلا ما علمه الله سبحانه وتعالى:"قل لا أقول لكم عندي خزائن الله , ولا أعلم الغيب , و لا أقول لكم إني ملك إن أتبع إلا ما يوحى إلي" (2) , ولذلك كانت حياته وسيرته تجري كبقية عادات البشر ومألوفاتهم مع ما أعطي من شرف المنزلة (3) , وعندما هاجر صلى الله عليه وسلم إلى المدينة لم يطر في الهواء ولم تطو له الأرض وإنما سار كما يسير أي راكب ويقطع المسافة في تسعة أيام , لماذا؟ لأن هذا هو الأصل , الأصل أن يسير الناس على السنن الكونية التي أودعها الله في الخلق , ولكن كثرة الناس يؤذيها أن يكون الكون سائرًا على قانون محكم ويسعدها أن يكون هذا القانون بيد المجاذيب والدراويش يتصرفون به (4) .
وتبقى الحقيقة أن الاستقامة على طريق الهدى , طريق السنة والإتباع , طريق الصحابة ومن تبعهم بإحسان , هذه الاستقامة هي عين الكرامة , فإن حصل بعدئذ خرق العادة إكرامًا من الله سبحانه وتعالى لمؤمن صادق فهذه يجب أن يخفيها ولا يذيعها ويشكر الله سبحانه على ما منّ به عليه.
(1) الإسراء: 90/ 93.
(2) الأنعام / 50.
(3) الشاطبي: الموافقات 2/ 248.
(4) انظر: زكي نجيب محمود في كتابه: ثقافتنا / 72.