الصفحة 42 من 73

ثانيًا: إن كرامات أولياء الله لا بد أن يكن سببها الإيمان والتقوى والولي لله هو المحافظ على الفرائض والسنن والنوافل , عالمًا بأمر الله عاملًا بما يعلم فمن صفت عقيدته وصح عمله كان وليًا لله يستحق إكرام الله له إن شاء , فهذا إذا خرقت له العادة لا تضر ولا يغتر بذلك ولا تصيبه رعونه , وقد لا تحصل لمن هو أفضل منه فليست هي بحد ذاتها دليلًا على الأفضلية , فالصديق رضي الله عنه لم يحتج إليها , وحصلت لغيره من الصحابة , كما أنه ليس كل من خرقت له العادة يكون وليًا لله كما أنه ليس كل من حصل له نِعَمٌ دنيوية تعد كرامة له , بل قد تخرق العادة لمن يكون تاركًا للفرائض مباشرًا للفواحش فهذه لا تعدوا أن تكون إما مساعدة من شياطين الجن ليضلوا الناس عن سبيل الله , أو استدراج من الله ومكر به أو رياضة مثل الرياضات التي يمارسها الهنود والبوذيون الكفرة ثم يضربون أنفسهم بآلات حادة ولا تؤثر فيهم أو يتركون الطعام أيامًا عديدة إلى غير ذلك ويظن الفسقة أن هذه كرامة لهم .

ثالثًا: هناك سؤال مهم في هذا الصدد وهو لماذا كانت هذه الحوادث من خرق العادات قليلة في زمن الصحابة والتابعين ثم كثرت بعدئذ ؟

يجيب ابن تيمية:"أنها بحسب حاجة الرجل فإذا احتاج إليها ضعيف الإيمان أو المحتاج أتاه فيها ما يقوي إيمانه ويكون من هو أكمل ولاية منه مستغنيًا عن ذلك لعلو درجته (1) , كما أن عدم وجودها لا يضر المسلم ولا ينقص ذلك في مرتبته والصحابة مع علو مرتبتهم جاءتهم هذه الخوارق إكرامًا لهم أو لحاجة في الدين , وكثرتها في المتأخرين دليل على ما قاله ابن تيمية أو لتطلبهم إياها بالرياضة الروحية (2) ."

(1) هذا فيما ثبت صحة نقله من الكرامات إلا أننا لا نغفل أنه بعد هذا العصر بدأ أهل الأهواء والبدع في نشر مذاهبهم ولا نرى مانعًا من أن يكون هؤلاء قد استظهروا على صحة مذاهبهم باختلاف كرامات لا أساس لها من الصحة تناقلتها الألسن فكثرت فيها الكرامات فيما تلى ذلك من العصور .

(2) الفتاوى: 11/323.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت