الصفحة 41 من 73

وهذه الخوارق إما أن تكون من جهة العلم بأن يسمع النبي ما لا يسمع غيره أو يرى ما لا يراه غيره يقظة ومنامًا أو يعلم مالا يعلم غيره حيًا وإلهامًا و أو فراسة صادقة لعبد صالح , وإما أن تكون من باب القدرة والتأثير مثل دعوة مستجابة أو تكثير الطعام وعدم إحراق النار , وقد حصل للصحابة رضوان الله عليهم كرامات من هذا النوع وكانت إما لحاجة أو حجة في الدين , كما أكرم الله سبحانه أم أيمن عندما هاجرت وليس معها زاد ولا ماء فكادت تموت من العطش وكانت صائمة , فلما كان وقت الفطر سمعت حسًا على رأسها فإذا دلو معلق فشربت منه , وكان البراء بن مالك إذا أقسم على الله أبّر قسمه , وكان سعد بن أبي وقاص مستجاب الدعوة , مشى أمير الجيوش الإسلامية في البحرين العلاء بن الحضرمي وجنوده فوق الماء لما أعترضهم البحر ولم يكن معهم سفن تحملهم وأُلقي أبو مسلم الخولاني في النار فلم تحرقه (1) .

هذه حوادث صحيحة وقعت للصحابة رضوان الله عليهم , وأكثر منها وقع في عصر ما بعد التابعين . فأهل السنة لا ينكرون الكرامات كما ينكرها المبتدعة , وهو يعلمون أن الله الذي وضع الأسباب ومسبباتها قادر على خرق هذه السنن لعبد من عباده , ولكن الصوفية جعلوا مجرد وقوعها دليلًا على فضل صاحبها حتى ولو وقعت من فاجر قالوا هذه كرامة لشيخ الطريقة ولذلك لا بد من ملاحظات وتحفظات حول هذا الموضوع .

أولًا: هذه الخوارق كانت تقع للصحابة دون تكلف منهم أو تطلب لها أو رياضات روحية يستجلبون بها هذه الخوارق , بل تقع إكرامًا من الله لهم أو دعاء يرون فيه مصلحة دينية إما لحجة أو لحاجة للمسلمين كما كانت معجزات نبيهم صلى الله عليه وسلم , أما المتأخرون فيطلبونها ويتكلفون لها الرياضات الروحية وربما أفسد جسمه ونفسيته بسبب هذا مع أن"طلب الكرامات ليس عليه دليل , بل الدليل خلاف ذلك فإنما غيب عن الإنسان ولا هو من التكاليف لا يطالب به" (2) وهذا من التأثير بالفلاسفة حيث يقررون رياضات معينة للوصول إلى هذه الخوارق .

(1) ابن تيمية: الفتاوى 11/279 وفي هذا الجزء بحث قيم حول المعجزات والكرامات .

(2) الشاطبي: الموافقات 2/283 .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت