أما لماذا تسير هذه الألوف من البلهاء وراء شيوخ الصوفية ربما يكون هروبًا من الواقع , ولعلها تصادف متنفسًا غير حقيقي لمشاكلهم وأرجح أنه ابتعاد عن التكليف الذي يفرضه الإسلام وخاصة في أوقات الشدة والعسرة , وبعض الناس يصدقون أغرب القصص لمجرد رغبتهم في أن تكون هذه القصص صحيحة والواقع أنها غير صحيحة (1) .
من أصعب الأمور على المتصوفة وخاصة المتأخرين منهم الاهتمام بالعلوم الشرعية وخاصة الحديث والفقه , لأن هذه العلوم تكشف ما هم عليه من جهل وإذا دخلت في قلوب وعقول التلاميذ فلا يبقى حولهم أحد , أما المتقدمون فكان لهم عناية بالعلوم الشرعية ولكن إما أن يكون أحدهم مفصوم الشخصية فتجده عالمًا في الفقه وأصوله ولكن عندما يتكلم في التصوف ينقلب إلى شخصية أخرى كأبي حامد الغزالي , وإما أن يترك العلم بعد أن يكون قد أخذ بقسط وافر منه , باعتبار أن العلم وسيلة للعمل فإذا وصل إلى العمل فلا داعي للعلم , وهذه مغالطة لأن المسلم يحتاج للعلم حتى آخر لحظة من حياته , وقد رمى أحمد بن أبي الحواري كتبه في البحر وقال: نِعمَ الدليل كنتِ.
وأبو حامد الغزالي يبرر هذا البعد عن علوم الشريعة وهذا الميل من المتصوفة إلى علم الكشف فيقول:"اعلم أن ميل أهل التصوف إلى الإلهية دون التعليمية , ولذلك لم يتعلموا ولم يحرصوا على دراسة العلم بل قالوا الطريق تقديم المجاهدات والإقبال على الله ويقطع الإنسان همه من المال والولد والعلم ويقتصر على الفرائض والرواتب ولا يقرن همه بقراءة القرآن ولا يكتب الحديث".
يقول ابن الجوزي معلقًا على كلام الغزالي:"عزيز علي أن يصدر هذا الكلام من فقيه فإنه لا يخفي قبحه , فإنه في الحقيقة طي لبساط الشريعة" (2) . ومن الأوهام التي وقعوا فيها قولهم: نحن نأخذ علمنا عن الحي الذي لا يموت وأهل الحديث يأخذون علمهم ميتًا عن ميت وأنشد أحد شيوخه: (3)
إذا طالبوني بعلم الورق برزت عليهم بعلم الخرق
(1) انظر كتاب: كيف تفكر , تعريب منير البعلبكي - ط. دار العلم للملايين.
(2) تلبيس إبليس / 323.
(3) هو أبو بكر الشبلي قال عنه الذهبي: كان يحصل له جفاف دماغ فيقول أشياء يعتذر عنه فيها وله مجاهدات عجيبة انحرف فيها مزاجه , انظر سير أعلام النبلاء 15/ 368.