قال الجنيد - ويسمونه سيد الطائفة -:"ما أخذنا التصوف عن القيل والقال بل عن الجوع وترك الدنيا وقطع المألوفات" (1) . ويصف معروف الكرخي نفسه فيقول:"كنت أصبح دهري كله صائمًا , فإن دعيت إلى طعام أكلت ولم أقل إني صائم" (2) ويقول بشر الحافي (3) :"إني لأشتهي شواء ورقاقًا منذ خمسين سنة ما صفا لي درهم" (4) . ويرى الجنيد عند شيخه السري السقطي خرف كوز مكسور فيسأله عن ذلك فيقول: أبردت لي ابنتي ماء في هذا الكوز ثم غلبتني عيني فرأيت جارية فسألتها لمن أنت ؟ فقالت: لمن لا يشرب الماء البارد وضربته بيدها فانكسر (5) . ويروي الجنيد عن بعض الكبراء أنه إذا نام ينادي: أتنام عني! إن نمت لأضربنك بالسياط , وحكى الغزالي عن سهل بن عبد الله أنه كان يقتات ورق النبق مرة , ويشجع الغزالي على السياحة في البراري بشرط التعود على أكل أعشاب البرية والصيد !؟
ومن آداب الصوفية عند أبي نصر السراج: ( إيثار الذل على العز , واستحباب الشدة على الرخاء ) (6) , ورتبوا أمورًا لمن يريد الدخول معهم أو للمريد ومنها: اشتراط الخروج من المال كما يذكر القشيري في رسالته , وأن يقلل من غذائه بالتدريج شيئًا بعد شيء وأن يترك التزوج ما دام في سلوكه (7) , و أما أبو طالب المكي فيطلب من المريد ألا يزيد على رغيفين في اليوم والليلة (8) , والجنيد يطلب من المريد ألا يشغل نفسه بالحديث (9) . كل هذه الأمور تخالف التوسط والحنيفية السمحاء وتخالف ما كان علية الصحابة ومن ميزات هذه المرحلة:
استحداث ما يسمونه ( السماع ) وهو الاستماع إلى القصائد الزهدية المرققة , أو إلى قصائد ظاهرها الغزل ويقولون: نحن نقصد بها الرسول صلى الله عليه وسلم , ومنشدهم يسمونه ( القوّال ) ويستعمل الألحان المطربة .
(1) سير أعلام النبلاء: 14/69.
(2) صفة الصفوة: 2/32.
(3) هو بشر بن الحارث اشتغل بالعبادة واعتزل الناس , اثني عليه في عبادته وورعه ونسكه , وله أخوات ثلاث كن مثله توفي عام 227هـ . انظر: سير أعلام النبلاء 10/41.
(4) صفوة الصفوة 2/329.
(5) الكلاباذي: التعرف /155.
(6) اللمع /28.
(7) الشاطبي: الإعتصام 1/214.
(8) تلبيس إبليس /141
(9) ربما كان مقصوده الانتباه إلى تزكية النفس في بداية الطريق دون التعمق في مصطلحات الحديث وإلا فإن ترك الحديث يؤدي إلى الكفر .