إن أي انحراف عن السنة ولو كان قليلًا فإنه يزداد مع الأيام , وتأتي الروافد من هنا وهناك باجتهادات خاطئة أو تصورات باطلة فيتسع الخرق ويقوى الباطل , وقد وقع المتصوفة منذ نهاية القرن الثالث الهجري بمشكله المصطلحات الغامضة المبهمة التي يستطيع كل متصوف تفسيرها حسب ما يشاء فالمبتدئ يفسرها تفسيرًا بريئًا والمتعمق منهم يفسرها حسب غلوه وضاله , وهذه المشكلة (المصطلحات) وعدم وضوحها هي من أسباب ضلال الأمم قبلنا , فالكلمات التي تحتمل الصواب والخطأ هي من بعض أسباب وقوع النصارى في القول بألوهية المسيح عليه السلام, فعندما يقول سبحانه عن عيسى (وروح منه) فهذا لا يعني أنه جزء منه بل هذه إضافة تشريف , كما يقول تعالى (ناقة الله) أو كما يوصف أحد الصحابة بأنه (أسد الله) أو (سيف الله) أو قوله تعالى (سخر لكم ما في السماوات وما في الأرض جميعًا منه) ولذلك حذر القرآن الكريم في إتباع المتشابه وأنه يجب رد المتشابه إلى المحكم , والمحكم: (قل هو الله أحد , الله الصمد , لم يلد ولم يولد .. ) قال الإمام أحمد: بكلمة (كن) كان عيسى عليه السلام وليس هو الكلمة نفسها , وقال تعالى في حق بني إسرائيل (ولا تلبسوا الحق بالباطل) .
تكلم المتصوفة في مصطلحاتهم عن الفناء والبقاء والصحو والمحو , والتجريد والتفريد و وهي ألفاظ تحتمل الحق والباطل , بل هي أقرب إلى الباطل , وقد اعترف مؤلفوهم باستحداث مصطلحات خاصة بهم.
قال أبو بكر الكلاباذي"إن للقوم عبارات تفردوا بها , واصطلاحات فيما بينهم لا يكاد يستعملها غيرهم" (1) ومن أوائل من تكلم بهذه المصطلحات أبو حمزة الصوفي البغدادي (ت 296) والبسطاني وأبو سعيد الخراز (ت277) .
وهذه أمثلة لبعض مصطلحاتهم وتعريفهم لها ثم نتكلم عن الآثار المترتبة عليها:
*الفناء:
هذه كلمة مبهمة مجملة قد تعني وجهًا باطلًا بل كفرًا وهو ما يسمونه (الفناء عن وجود السوّي) أي ليس موجودًا إلا الله سبحانه وكل ما عداه ليس له وجود حقيقي , وهذه هي وحدة الوجود التي سنتكلم عليها في المبحث القادم إن شاء الله.
(1) التعرف لمذهب التصوف / 111.