ولم يقتصر الأمر على هذه القصائد بل تطور إلى ذكر الله بالرقص والدف والغناء , وعندما تقام الحضرة (1) تبدأ التراتيل بذكر اسم الله المفرد ( الله ) بصوت واحد , ولكن عندما يشتد الرقص ويلعب الشيطان برؤوسهم يرفعون عقيرتهم أكثر ويتحول اسم الله إلى ( هو ) ثم لا تسمع بعدها إلا همهمة , وقد يجتمع مع هذا الصراخ والقفز في الهواء أخلاط الناس من النساء والأولاد لرؤية هذا ( التراث الشعبي ) , حقًا إنها مهزلة اتبعوا فيها سنن الذين من قبلنا فقد جاء في مزامير العهد القديم عن اليهود"ليبتهج بنو صهيون بملكهم , ليسبحوا اسمه برقص , بدف وعود , سبحوه برباب , سبحوه بصنوج الهتاف" (2) .
جاء في ( ترتيب المدارك ) للقاضي عياض:"قال التنيسي: كنا عند مالك بن أنس وأصحابه حوله فقال رجل من أهل نصيبين: عندنا قوم يقال لهم الصوفية يأكلون كثيرًا ثم يأخذون في القصائد , ثم يقومون فيرقصون. فقال مالك: أصبيان هم ؟ فقال: لا . قال: أمجانين هم ؟ قال: لا هم مشايخ وعقلاء . قال: ما سمعت أن أحدًا من أهل الإسلام يفعل هذا" (3) .
وقد يكون من أسباب فعلتهم هذه هو أن النفس ترى أن تغطي شهواتها باسم الدين والذكر والحضرة . ولو كشفت بصراحة عن نوازعها لكان الخطب أهون , لأنها عندئذ تبقى في دائرة المعصية وهي أقل خطرًا من البدعة . والله سبحانه وتعالى وصف الذاكرين له باطمئنان قلوبهم وخشوعهم وإخباتهم , وقد كان السلف إذا سمعوا القرآن خافوا وبكوا واقشعرت جلودهم , وهذا عكس الرقص والطرب , ولم يأمر الله سبحانه حين أمر الناس بالعبادة - أن يأكلوا أكل البهائم ثم يقوموا للرقص , بل هذا الرقص الذي يسمونه ( ذكرًا ) وما يرافقه من منكرات مستقبح دينًا وعقلًا , هو وصمة عار أن يكون في المسلمين من يفعل هذا , وصدق قول الشاعر فيهم:
ألا قل قول عبد نصوح وحق النصيحة أن تستمع
متى علم الناس في ديننا بأن الغنا سنة تتبع
وأن يأكل المرء أكل الحمار ويرقص في الجمع حتى يقع
وقالوا: سكرنا بحب الإله وما أسكر القوم إلا القصع
(1) مصطلح عند الصوفية يعني الاجتماع على ذكر الله بالرقص على شكل حلقة يكون الشيخ في وسطها وكأنه قائد أوركسترا .
(2) هذه هي الصوفية / 143 .
(3) ترتيب المدارك 4/5 ط . المغرب وقد حاو ل صاحب الكتاب ( حقائق عن التصوف ) محاولة سمجة للاستشهاد بالإمام مالك والإمام الشافعي على أنهما يمدحان الصوفية وهؤلاء الأئمة أعقل وأكبر من هذا .