وكان التابعون وكثير من تابعي التابعين على مثل ذلك, يجمعون بين العلم والعمل, بين العبادة والبعد عن الناس مع علمهم وفضلهم والتزامهم بآداب الشريعة, ولأسباب معينة قد يغلب على أحدهم الخوف الشديد والبكاء المستمر, فهؤلاء وإن كانت أحوالهم عالية جدًا, ولكن أحوال الصحابة ومن اقتفى أثرهم من التابعين أفضل, ولذلك قال عبد الله بن مسعود رضي الله عنه لأصحابه:"أنتم أكثر صومًا وصلاة من أصحاب محمد وهم كانوا خيرًا منكم قالوا: لم يا أبا عبد الرحمن؟ قال: لأنهم كانوا أزهد في الدنيا وأرغب في الآخرة" (1) .
ومن هؤلاء العباد في المدينة:
عامر بن عبد الله بن الزبير: كان يواصل في الصوم فيقول والده: رأيت أبا بكر وعمر ولم يكونا هكذا (2) .
صفوان بن سليم: من الثقات قال عنه أحمد بن حنبل: يستشفى بحديثه وينزل القطر من السماء بذكره, وكان يصلي على السطح في الليلة الباردة لئلا يجيئه النوم, وقد أعطى الله عهدًا أن لا يضع جنبه على فراش حتى يلحق بربه, توفي سنة 132هـ (3) . فإذا كان ما أورده الذهبي صحيحًا فهذا خلاف قوله صلى الله عليه وسلم ( وأصلي وأنام ) .
ومنهم في البصرة طلق بن حبيب العنزي, من كبار العاملين, وعطاء السلمي بكى حتى عمش (4) .
ومنهم كرز بن وبر الحارثي نزيل جرجان: من العباد والزهاد قال عنه الذهبي:"هكذا كان زهاد السلف وعبادهم أصحاب خوف وخشوع وتعبد وقنوع لا يدخلون في الدنيا وشهواتها ولا في عبارات أحدثها المتأخرون من الفناء والاتحاد" (5) .
ومنهم في الكوفة: الأسود بن يزيد بن قيس: كان يجهد نفسه في الصوم والعبادة حتى يصفرَّ جسمه (6) . وداود الطائي, يذكر عنه أنه ورث بيتًا فكان لا يعمره إذا خربت ناحية منه حتى خرب البيت كله وجلس في زاوية منه, وقد نحل جدًا من قلة الأكل (7) .
ويبدو أن من أسباب ظهور طبقة العباد والزهاد في القرن الثاني الهجري هو إقبال الناس على الدنيا يجمعون منها ويتفاخرون (8) , فكانت ردة الفعل عند البعض هي الابتعاد الكلي عنها, ولا بد أن هناك أسبابًا أخرى قد تكون شخصية, وقد تكون من أثر إقليم معين أو مدينة معينة, فإن من الخطأ تفسير ظاهرة ما بسبب واحد.
(1) ابن تيمية: الفتاوى 22/304 .
(2) الإمام الذهبي: سير أعلام النبلاء 5/219.
(3) المصدر السابق 5/367.
(4) سير أعلام النبلاء 4/601.
(5) المصدر السابق 6/86.
(6) ابن الجوزي: صفة الصفوة 3/23.
(7) المصدر السابق 3/139.
(8) ابن خلدون: المقدمة/467.