وأصحاب هذا القول يَرَوْنَ أَنَّ الله تعالى مُتَكَلِّمٌ ولكن بلا كلام قديم، وإنما بكلام حادث، يُحْدِثُهُ عند الحاجة إلى الكلام [1] ، وهذا الكلام خارج عن ذاته العلية، يحدثه سبحانه وتعالى في محل، فيسمعه من المحل، قال القاضي عبد الجبار المعتزلي:"إِنَّ القرآن كلام الله تعالى ووحيه، وهو مخلوقٌ مُحْدَثٌ، أنزله الله تعالى على نبيه ليكون علمًا ودالاًّ على نبوته" [2] .
ويقولون: إِنَّهُ حادثٌ قائمٌ بغير ذاته تعالى، ولا يثبتون الكلام النفسي، بل يرجعونه إن كان المدلول به خبرًا إلى صفة العلم، وإن كان المدلول به أمرًا أو نهيًا إلى صفة الإرادة [3] .
ويرى الإمام الغزالي (رحمه الله تعالى) أَنَّ المعتزلة خالفوا مذهبهم في إنكار الصفات، وزيادتها على الذات، وذلك في صفتين، إذ قالوا: إِنَّه تعالى مُرِيدٌ بإرادةٍ زائدةٍ عن الذات، ومتكلم بكلامٍ هو زائدٌ على الذات، إلاّ أَنَّ الإرادةَ يخلقها في غير محل، والكلام يخلقه في جسم جماد، ويكون هو المتكلم به [4] .
ثالثًا: مذهب المُشَبِّهَة، كالكَراميَّة، وغيرهم:
فإنَّهم ذهبوا إلى أَنَّ ما بين الدَّفَّتَيْنِ كلامَ الله، فهو المكتوب في اللوح المحفوظ، وأنكروا إثبات كلامٍ هو صفة قائمة بذات الباري تعالى، لا تبصر، ولا تسمع، ولا تقرأ، وقالوا: ولا نعرف في القرآن إلاّ ما هو بين أظهرنا، فنبصره ونسمعه ونقرؤه ونكتبه، وقالوا: إِنَّ الحروف والأصوات والرقوم المكتوبة قديمة أزلية، وقالوا: لا يُعْقَلُ
(1) ينظر: المصدر نفسه ص 102.
(2) شرح الأصول الخمسة: قاضي القضاة عبد الجبار بن أحمد، تعليق: الإمام أحمد ابن الحسين بن أبي هاشم، مكتبة وهبة ـ القاهرة، الطبعة الثالثة 1416هـ ـ 1996م، تحقيق: الدكتور عبد الكريم عثمان، ص 527.
(3) ينظر: المواقف للإيجي بشرح السيد الشريف 8/ 95.
(4) ينظر: الاقتصاد في الاعتقاد ص 159 ـ 162.