أما أدلتهم: فهي على ضربين أيضًا، العقلية والنقلية:
أولًا: الأدلة العقلية:
ذهب الأشعري إلى جواز رؤية الله تعالى في الآخرة عقلًا، وأوجبها سمعًا، والمصحح لها هو الوجود، والباري موجود، فيصح أن يُرَى [1] .
ومما يدل على رؤية الله تعالى بالأبصار أنه ليس موجود إلاّ وجائز أن يرينا ... الله - عز وجل -، وإنما لا يجوز أن يُرَى المعدوم، فلما كان الله - عز وجل - موجودًا مثبتًا، كان غير مستحيل أن يرينا نفسه - عز وجل - [2] .
والعمدة مسلك الوجود، وهي إننا نرى الأعراض كالألوان والأضواء، وغيرها، وهذا ظاهر، ونرى الجواهر لا أن نرى الطول والعرض، فقد ثبت أَنَّ صحة الرؤية مشتركة بين الجوهر والعرض، وهذه الصحة لها علة لتحققها عند الوجود وانتفائها عند العدم، لولا تحقق أمر حال الوجود غير متحقق حال العدم، لكان ذلك ترجيحًا بلا مرجح، وهذه العلة لا بد أن تكون مشتركة بين الجوهر والعرض، والإّ لزم تعليل الأمر الواحد بالعلل المختلفة، وهو غير جائز كما مر، ثم نقول: هذه العلة المشتركة أما الوجود أو الحدوث إذ لا مشترك بين الجوهر والعرض سواهما، لكن الحدوث لا يصلح علة؛ لأنه عبارة عن الوجود مع اعتبار عدم سابق، والعدم لا يصلح أن يكون جزء العلة، وإذا سقط العدم عن درجة الاعتبار لم يبق إلاّ الوجود، فإذا هي الوجود، وأنه مشترك بينهما وبين الواجب لما تقدم، فعلة صحة الرؤية متحققة في الله تعالى، فيتحقق صحة الرؤية، وهو المطلوب، وهذا يوجب أن يصح رؤية كل موجود كالأصوات والروائح والملموسات والطعوم، والشيخ [أي: أبو علي الجبائي] يلتزمه،
(1) نشأة الأشعرية وتطورها ص 258.
(2) الإبانة عن أصول الديانة ص 51 ـ 52.