الجواهر والأعراض هي الوجود، وحيث أَنَّ الوجود مشترك بين الممكن والواجب، وبين جميع الأعراض والجواهر، فإنه يكون علة مصححة لرؤيتها جميعًا [1] .
وهذا الدليل يوجب صحة رؤية الروائح والطعوم والأصوات، وقد رَدَّ الأشعري على ذلك بجواز رؤية هذه الأمور؛ لأَنَّ الله تعالى لم يخلق لنا في البصر رؤيتها بطريق العادة. وكذلك ذهب الأشعري في صحة جواز الرؤية إلى أَنَّ الله تعالى يرى جميع المرئيات، حيث قال في كتابه العزيز: {أَلَمْ يَعْلَمْ بِأَنَّ اللَّهَ يَرَى (14) } [العلق:14] ، وكذلك قال تعالى: {وَتَوَكَّلْ عَلَى الْعَزِيزِ الرَّحِيمِ (217) الَّذِي يَرَاكَ حِينَ تَقُومُ (218) } [الشعراء: 217 ـ 218] ، وإذا كان الله تعالى للأشياء رائيًا، فلا يَرَى الأشياء من لا يَرَى نفسه، فالأولى رؤيته لنفسه قبل رؤيته للأشياء، فإذا تحققت رؤيته لنفسه، فجاز أن يرينا نفسه، كما أَنَّهُ لَمَّا كان الله عالمًا بنفسه جاز أن يعلمناها [2] .
ثانيًا: الأدلة النقلية:
استدل الأشاعرة على جواز رؤية الباري - عز وجل - في الآخرة بأدلة من الكتاب والسنة، ويمكن إيرادها على النحو الآتي:
1 ـ من الكتاب:
أ ـ"قصة موسى - عليه السلام - في قوله تعالى: {رَبِّ أَرِنِي أَنْظُرْ إِلَيْكَ} ، وجواب الرب تعالى: {لَنْ تَرَانِي} [الأعراف:143] ، ولا يجوز أن يسأل موسى - عليه السلام - وهو من النبيين ربه ما يستحيل عليه، وجواب الرب يدل على الجواز، فإنه ما قال لست"
(1) ينظر: كتاب التمهيد للباقلاني ص 266، والباقلاني وآراؤه الكلامية ص 565 ـ 566، والمواقف للإيجي بشرح السيد الشريف 3/ 101، وشرح العقائد النسفية للتفتازاني ص 104.
(2) ينظر: الباقلاني وآراؤه الكلامية ص 567، والإبانة عن أصول الديانة ص 41.