حينئذٍ إمَّا أن يعلم امتناعه أو يجهله، فإن علمه فالعاقل لا يطلب المحال، فإنه عبث، وإن جهله فالجاهل بما لا يجوز على الله ويمتنع، لا يكون نبيًا كليمًا [1] ، ولا يجوز أن يكون سأل ذلك وهو شاك جاهل حكم هذه المسالة؛ لأنها من أصول الدين [2] ، فإذا ثبت أَنَّ نبي الله ليس بجاهل، ولا غافل، ولا شاك، وإنَّمَا عاقل، فسؤاله كان إثباتًا للرؤية.
ب ـ استدلوا على جواز رؤية الله تعالى بقوله تعالى: {وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ نَاضِرَةٌ (22) إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } [القيامة:22 ـ 23] ، فـ { ... نَاضِرَةٌ} بالضاد من النضارة، وهي الحسن، و {نَاظِرَةٌ} بالظاء بمعنى باصرة [3] ، يعني: أيضًا رائية [4] .
وإنَّ النظر إذا ذكر مع ذكر الوجه فمعناه نظر العينين اللتين في الوجه. فذهبوا إلى أنها رائية ترى ربها - عز وجل - كما قال: {قَدْ نَرَى تَقَلُّبَ وَجْهِكَ فِي السَّمَاءِ فَلَنُوَلِّيَنَّكَ قِبْلَةً تَرْضَاهَا} [البقرة:144] ، فذكر الوجه، وإنما أراد تقلب عينيه نحو السماء ينظر نزول الملك عليه بصرف الله تعالى له عن قبلة بيت المقدس إلى القبلة [5] .
وكذلك لم يجز أن يقول قائل: إنه أراد غيره، ويزيل الكلام عن ظاهره، فلذلك لَمَّا قال: { ... إِلَى رَبِّهَا نَاظِرَةٌ (23) } [القيامة: 23] ، لم يجز لنا أن نزيل القرآن عن ظاهره بغير حجة [6] .
(1) ينظر: المواقف للإيجي بشرح السيد الشريف ص 300.
(2) ينظر: الإنصاف للباقلاني ص 177.
(3) شرح العقائد النسفية ص 97.
(4) الإبانة عن أصول الديانة ص 35.
(5) ينظر: المصدر نفسه ص 38 ـ 39.
(6) ينظر: المصدر نفسه ص 40.