إذًا النظر هنا أُرِيدَ به الرؤية أو الإبصار؛ لأنَّ النظر إذا اقترن بالوجه كان هو الرؤية بالبصر، وليس المقصود بالنظر هنا الاعتبار، كما في قوله تعالى: {أَفَلَا يَنْظُرُونَ إِلَى الْإِبِلِ كَيْفَ خُلِقَتْ (17) } [الغاشية:17] ؛ لأَنَّ الآخرة ليست بدار اعتبار، وليس المقصود به التوقع والانتظار، كما في قوله تعالى: {مَا يَنْظُرُونَ إِلَّا صَيْحَةً} [يس:49] ، أَمَّا القول بأنَّ لن تفيد (لتأبيد النفي) فغير مُسَلَّم به، وإلاّ فماذا يقولون بقوله تعالى: {وَلَا يَتَمَنَّوْنَهُ أَبَدًا} [الجمعة:7] ، أي: الموت، مع أَنَّ القرآن قد ذكر تمنيهم للموت حينما يدخلون النار بقولهم {يَامَالِكُ لِيَقْضِ عَلَيْنَا رَبُّكَ} [الزخرف:77] ، وبقولهم ... {يَالَيْتَهَا كَانَتِ الْقَاضِيَةَ (27) } [الحاقة:27] ، فإنَّ الكفار يتمنون الموت بعد أن كانوا في الدنيا لا يتمنونه [1] .
ج ـ قوله تعالى: {كَلَّا إِنَّهُمْ عَنْ رَبِّهِمْ يَوْمَئِذٍ لَمَحْجُوبُونَ (15) } [المطففين: 15] ، فهذه الآية كانت من الأدلة التي استدلوا بها في إثبات جواز رؤية الله تعالى، فمفهوم المخالفة الوارد في الآية يدُلُّ على أَنَّ المؤمنين ليسوا محجوبين عن رؤية الله تعالى [2] ، فحجب المكذبين عن رؤيته، ولا يحجب عنها المؤمنين [3] .
د ـ قوله تعالى: {لِلَّذِينَ أَحْسَنُوا الْحُسْنَى وَزِيَادَةٌ} [يونس:26] ، فهذا دليل لهم على صحة جواز رؤية الله تعالى في دار الآخرة، والمقصود بالزيادة هي النظر إليه تعالى [4] ، وقد قالوا إنَّ الزيادة هي النظر إلى الله تعالى في الجنة، وقد رُوِيَ هذا مرفوعًا
(1) ينظر: شرح العقائد النسفية ص 98 ـ 99.
(2) ينظر: المصدر نفسه ص 97.
(3) ينظر: الإبانة عن أصول الديانة ص 46.
(4) ينظر: الإنصاف للباقلاني ص 187.