فهرس الكتاب

الصفحة 235 من 485

يكون كمال الذات الا بها، فيكون كماله بزائدٍ على ذاته، وتتصف ذاته بالنقص إذا لم يقم به هذا الزائد، فهذا من الاستقراء وهذا الذي دعا المتكلمين أن يقولوا في صفات الحق لا هي هو ولا هي غيره، وفيما ذكرناه ضرب من الاستقراء الذي لا يليق بالجناب العالي، ثم إنه لما استشعر القائلون بالزائد سلكوا في العبارة عن ذلك مسلكًا آخر فقالوا: ما عقلناه بالاستقراء، وإنما قلنا: أعطى الدليل أنه لا يكون عالم إلا من قام به العلم، ولابد أن يكون أمرًا زائدًا على ذات العالم لأنه من صفات المعاني يقدر رفعه مع بقاء الذات، فلما أعطاه الدليل ذلك طردناه شاهدًا وغائبًا يعني في الحق والخلق، وهذا هرب منهم وعدول عن عين الصواب، ثم إنهم أكدوا ذلك بقولهم، ما ذكرناه عنهم أن صفاته لا هي هو ولا هي غيره، وحدوا الغيرين بحد يمنعه غيرهم، وإذا سألتهم؟ هل هي أمر زائد؟! اعترفوا بأنها أمر زائد وهذا هو عين الاستقراء، فلهذا قلنا إن الاستقراء في العلم بالله لا يصح، وإن الاستقراء على الحقيقة لا يفيد علمًا وإنما أثبتناه في مكارم الأخلاق شرعًا وعرفًا لا عقلًا، فإن العقل يدل عليه سبحانه أنه فعال لما يريد لا يقاس بالمخلوق ولا يقاس المخلوق عليه) [1] .

إلى أن قال (وكل حكم يثبت في باب العلم الإلهي للذات إنما هو للإلوهية وهي أحكام نسب وإضافات وسلوب، فالكثرة في النسب لا في العين، وهنا زلت أقدام من شرك بين من يقبل التشبيه وبين من لا يقبله عند كلامهم في الصفات، واعتمدوا في ذلك على الأمور الجامعة التي هي الدليل والحقيقة والعلة والشرط وحكموا بها غائبًا وشاهدًا فأما شاهدًا فقد يسلم، وأما غائبًا فغير مسلم) [2] .

(1) الفتوحات المكية: 1/ 429، ب: 56، 1/ 429 - 430، ب: 56.

(2) الفتوحات المكية: 1/ 69.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت