فهرس الكتاب
قصورها عن درك ما ترومه من ذلك مخاطبتها قرآنًا: {يَوْمَ تَجِدُ كُلُّ نَفْسٍ مَا عَمِلَتْ مِنْ خَيْرٍ مُحْضَرًا وَمَا عَمِلَتْ مِنْ سُوءٍ تَوَدُّ لَوْ أَنَّ بَيْنَهَا وَبَيْنَهُ أَمَدًا بَعِيدًا وَيُحَذِّرُكُمُ اللَّهُ نَفْسَهُ وَاللَّهُ رَءُوفٌ بِالْعِبَادِ (30) } [آل عمران: 30] ، يقول: ما حذرناكم من النظر في ذات الله إلا رحمة بكم وشفقة عليكم لما نعلم ما تعطيه القوة المفكرة للعقل من نفي ما نثبته على ألسنة رسلي من صفاتي فتردونها بأدلتكم فتحرمون الإيمان فتشقون شقاوة الأبد، ثم أمر رسول الله - صلى الله عليه وسلم - أن ينهانا أن نفكر في ذات الله كما فعل بعض عباد الله فأخذوا يتكلمون في ذات الله من أهل النظر ... فلو أنصف هذا الناظر في ذات الله ما نظر في ذات الله وآمن بما جاء من عند الله، إذ قد دل دليل على صدق المخبر وهو الرسول - صلى الله عليه وسلم -، فهذا منعني في هذا الباب من الكلام في ذات الله بما تعطيه أدلة العقول، وعدلنا إلى علم ذلك بما جاء من النقول مع نفي المماثلة في النسبة والعلم الصحيح بحقيقة الصفة الواردة الموصوف بها ذاتًا مجهولة وقد نصحتك، فاعلم وأثبت على ما جاءتك به الشريعة تسلم فهو أعلم بنفسه وأصدق في قوله وما عرفنا إلا بما هو عليه {سُبْحَانَ رَبِّكَ رَبِّ الْعِزَّةِ عَمَّا يَصِفُونَ (180) وَسَلَامٌ عَلَى الْمُرْسَلِينَ (181) } [الصافات: 180، 181] ) [1] .
وبين الشيخ بأن الحق عز وجل أخبر عن صفات لا ينبغي ردها أو تأويلها بل الصحيح قبولها وعدم استعمال النظر في الذات العلية: (فالحق قد أخبر عن نفسه بأنه يجيب عبده إذا سأله، ويرضى عنه إذا أرضاه، ويفرح بتوبة عبده إذا تاب، فأنظر يا عقل لمن تنازع ومن المحال أن نصدقك ونكذب ربك ونأخذ عنك الحكم عليه وأنت عبد مثلي ونترك الأخذ عن الله وهو أعلم بنفسه فهو الذي نعت نفسه بهذا الكلام، ونعلم حقيقة هذا كله بحدِّه وماهيته،
(1) الفتوحات المكية: 3/ 479 - 480، ب: 177.