فهرس الكتاب

الصفحة 293 من 485

بأي نية حمله، فسألني الشيخ بحضور الجماعة وذكر لي ما ذكروه فقلت لهم: أخطأتم في التأويل علي والله ما نويت شيئًا من ذلك ولكني رأيت الله على علو قدره ما نزه نفسه عن خلق مثل هذا فأنزه نفسي عن حمله، فشكرني الشيخ وتعجب الأصحاب وهو من هذا الباب بل والله في حملي إياه شرفي فإنه نظير القدرة في إيجاد عينه ولا فرق عند العارفين بين العالي والدون المعتاد، هذا خلوف فم الصائم عند الله أطيب من ريح المسك، وأين إدراك الشم من الرائحتين؟ فلا تنظروا في الأشياء المتفاضلة إلا بارتباطها بالحقائق الإلهية وإذا كان هذا نظركم فإنكم لا تحقرون شيئًا من العالم، فلا تقس الله ولا تحمله على نفسك وخذ الأشياء على ما تعطيها الحقائق) [1] .

إلى أن قال: (إنما أمرت الملائكة والخلق أجمعون بالسجود وجعل معه القربة فقال: {كَلَّا لَا تُطِعْهُ وَاسْجُدْ وَاقْتَرِبْ(19) } [العلق: 19] ، وقال - صلى الله عليه وسلم: (أقرب ما يكون العبد من الله في سجوده) [2] ، ليعلموا أن الحق في نسبة الفوق إليه من قوله {وَهُوَ الْقَاهِرُ فَوْقَ عِبَادِهِ وَهُوَ الْحَكِيمُ الْخَبِيرُ (18) } [الأنعام: 18] ، {يَخَافُونَ رَبَّهُمْ مِنْ فَوْقِهِمْ} [النحل: 50] كنسبة التحت إليه، فإن السجود طلب السفل بوجهه كما أن القيام يطلب الفوق إذا رفع وجهه بالدعاء ويديه، وقد جعل الله السجود حالة القرب من الله، فلم يقيده سبحانه الفوق عن التحت ولا التحت عن الفوق، فإنه خالق الفوق والتحت، كما لم يقيده الاستواء على العرش عن النزول إلى السماء الدنيا عن الاستواء على العرش، ولم يقيده النزول إلى السماء الدنيا عن الاستواء على العرش، كما لم يقيده سبحانه الاستواء والنزول عن أن يكون معنا أينما كنا كما قال تعالى: {ثُمَّ اسْتَوَى عَلَى الْعَرْشِ} [الحديد: 4]

(1) الفتوحات المكية: 2/ 189، 190، ب: 69.

(2) صحيح مسلم - (2/ 49)

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت