الله ... قال تعالى في كلامه القديم الأزلي: {مَا يَأْتِيهِمْ مِنْ ذِكْرٍ مِنْ رَبِّهِمْ مُحْدَثٍ} [الأنبياء: 2] ، فنعته بالحدوث؛ لأنه نزل على محدث؛ لأنه حدث عنده مالم يكن يعلمه فهو محدث عنده بلا شك ولا ريب، وهذا الحادث هل هو محدث في نفسه أو ليس بمحدث؟ فاذا قلنا فيه انه صفة الحق التي يستحقها جلاله قلنا بقدمها بلا شك، فإنه يتعالى أن تقوم الصفات الحادثات به، فكلام الحق قديم في نفسه، قديم بالنسبة اليه محدث ايضا كما قال عند من أنزل عليه [1] .
الى ان بين ان كلام الله ليس صفة زائدة بل هو عين ذاته كما هو رأيه في صفات المعاني (وكلام الله تعالى علمه وعلم ذاته، ولا يصح ان يكون كلامه ليس هو، فان كان يوصف بانه محكوم عليه للزيادة على ذاته وهولا يحكم عليه عزوجل، كل ذي كلام موصوف بأنه قادر على أن يتكلم متمكن في نفسه من ذلك، والحق لا يوصف بأنه قادر على ان يتكلم فيكون كلامه مخلوقا وكلامه قديم في مذهب الأشعري وعين ذاته في مذهب غيره من العقلاء، فنسبة الكلام الى الله مجهولة لا تعرف كما ان ذاته لا تعرف، ولا يثبت الكلام للإله الاّ شرعا ليس في قوة العقل ادراكه من حيث فكره [2] .
الى ان يصف بان القرآن علم التمييز فعلم أين محله الذي ينزل عليه وهو قلب المصطفى - صلى الله عليه وسلم - ويؤكد على الأصوات والحروف بتلاوته - صلى الله عليه وسلم - الى ان يرفع من الصدور ويمحى من المصاحف (فقوله {الرَّحْمَنُ(1) عَلَّمَ الْقُرْآنَ (2) } [الرحمن: 1 - 2] ، نصبَ القرآن ثم قال: {خَلَقَ الْإِنْسَانَ (3) عَلَّمَهُ الْبَيَانَ (4) } [الرحمن: 3 - 4] ، فينزل عليه القرآن ليترجم منه بما علمه الحق من
(1) الفتوحات المكية:3/ 95، ب:73، و:8/ 46،ب:558.
(2) الفتوحات المكية:4/ 44 - 45، ب:198.