أو عذرة والشراب خمرًا لا يشك فيما يراه ويراه جليسه قرصة خبز طيبة ويرى الشراب ماءً عذبًا، فيا ليت شعري من هو صاحب الحس الصحيح من صاحب الخيال؟ هل الذي أدرك الحكم الشرعي صورة؟ أو هل الذي أدرك المحسوس في العادة على حاله؟ وهذا مما يقوي مذهب المعتزلة في أن القبيح قبيح لنفسه والحسن حسن لنفسه، وأن الإدراك الصحيح إنما هو لمن أدرك الشراب الحرام خمرًا، فلولا أنه قبيح لنفسه ما صح هذا الكشف لصاحبه، ولو كان فعله عين تعلق الخطاب بالحرمة والقبح ما ظهر ذلك الطعام خنزيرًا، فإن الفعل ما وقع من المكلف فإن الله أظهر له صورته وأنه قبيح حتى لا يقدم على أكله وهذا بعينه يتصور فيمن يدركه طعامًا على حاله في العادة ولكن هذا أحق في الشرع، فعلم قطعًا أن الذي يراه طعامًا على عادته قد حيل بينه وبين حقيقة حكم الشرع فيه بالقبح، ولو كان الشيء قبيحًا بالقبح الوضعي لم يصدق قول الشارع في الأخبار عنه أنه قبيح أو حسن، فإن خبر بالشيء على خلاف ما هو عليه، فإن الأحكام اخبار بلا شك عند كل عاقل عارف بالكلام، فإن الله أخبرنا أن هذا حرام وهذا حلال، ولذا قال تعالى في ذم من قال عن الله ما لم يقل: {وَلَا تَقُولُوا لِمَا تَصِفُ أَلْسِنَتُكُمُ الْكَذِبَ هَذَا حَلَالٌ وَهَذَا حَرَامٌ لِتَفْتَرُوا عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ إِنَّ الَّذِينَ يَفْتَرُونَ عَلَى اللَّهِ الْكَذِبَ لَا يُفْلِحُونَ (116) } [النحل: 116] فإنه ألحق الحكم بالخبر لأنه خبر بلا شك إلا أنه ليس في قوة البشر في أكثر الأشياء إدراك قبح الأشياء ولا حسنها، فإذا عرفنا الحق بها عرفناها، ومنها ما يدرك قبحه عقلًا في عرفنا مثل الكذب وكفر المنعم، وحسنه عقلًا مثل الصدق وشكر المنعم) [1] .
(1) الفتوحات المكية: 1/ 452، ب: 61.