ظاهر نشأته لما رأوها قامت من طبائع مختلفة متضادة متنافرة، فعلموا أنّه لابدّ أن يظهر أثر هذه الأصول على من هو على هذه النشأة، فلو علموا باطنه وهو حقيقة ما خلقه الله عليه من الصورة لرأوا الملائكة جزءًا من خلقه فجهلوا أسماءه الإلهية التي نالها بهذه الجمعية كما كشف له عنه فأبصر ذاته فعلم مستنده في كل شيء ومن كل شيء، فالعالم كله تفصيل آدم وآدم هو الكتاب الجامع، فهو للعالم كالروح من الجسد، فالإنسان روح العالم والعالم الجسد، فبالمجموع يكون العالم كله هو الإنسان الكبير والإنسان فيه، وإذا نظرت في العالم وحده دون الإنسان وجدته كالجسد المسوّى بغير روح، وكمال العالم بالإنسان مثل كمال الجسد بالروح، والإنسان منفوخ في جسم العالم فهو المقصود من العالم، واتخذ الله الملائكة رسلًا إليه ولهذا سمّاهم ملائكة أي رسلًا من المألكة وهي الرسالة فإن أخذت الشرف بكمال الصورة قلت: الإنسان أكمل، وإن أخذت الشرف بالعلم بالله من جانب الحق لا من طريق النظر فالأفضل والأشرف من شرفه الله بقوله هذا أفضل عندي فإنه لا تحجير عليه في أن يفضل من شاء من عباده فإن العلم بالله الذي يقع به الشرف لا حد له ينتهي إليه) [1] .
ويبين الشيخ كما أن للملائكة لكل منهم مقام معلوم فإنّ الثّقلان تدخل في القول (قالت الملائكة: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ(164) } [الصافات: 164] ، وهكذا كل موجود ما عدا الثقلين وإن كان الثقلان أيضًا مخلوقين في مقامهما غير أن الثقلين لهما في علم الله مقامات معيّنة مقدرة عنده غُيبت عنهما إليهما ينتهي إليه كل شخص منهما بإنتهاء أنفاسه، فآخر نفس هو مقامه المعلوم الذي يموت عليه ولهذا دعوا إلى السلوك، فسلكوا علوًا بإجابة الدعوة المشروعة، وسفلًا
(1) الفتوحات المكية: 3/ 102، ب: 73.