بإجابة الأمر الإرادي من حيث لا يعلمون إلا بعد وقوع المراد، فكل شخص من الثقلين ينتهي في سلوكه إلى المقام المعلوم الذي خلق له ومنهم شقي وسعيد، وكل موجود سواهما فمخلوق في مقامه فلم ينزل عنه فلم يؤمر بسلوك إليه لأنه فيه من ملك وحيوان ونبات ومعدن، فهو سعيد عند الله لا شقاء يناله، فقد دخل الثقلان في قول الملائكة: {وَمَا مِنَّا إِلَّا لَهُ مَقَامٌ مَعْلُومٌ (164) } [الصافات: 164] عند الله، ولا يتمكن لمخلوق من العالم أن يكون له علم بمقامه إلا بتعريف إلهي لا بكونه فيه، فإن كل ما سوى الله ممكن، ومن شأن الممكن ان لا يقبل مقامًا معينًا لذاته وإنما ذلك لمرجحه بحسب ما سبق في علمه به) [1] .
فعلى الإنسان أن لا يستعجل بهذا التفضيل (إن جماعة من أصحابنا غلطت في هذه المسألة لعدم الكشف فقالت بطريق القوة والفكر الفاسد: إن الكامل من بني آدم أفضل من الملائكة عند الله مطلقًا ولم تقيد صنفًا ولا مرتبة من المراتب التي تقع عليها الفضيلة لمن هو فيها على غيره، ثم عللّت فقالت: إن لبني آدم الترقي مع الأنفاس وليس للملائكة هذا فإنها خلقت في مقامها، وما علمت الجماعة القائلة بهذا هذه الحقيقة التي نبّهنا عليها والصحيح الترقي ان لنا وللملائكة ولغيرهم وهو لازم للكل دنيا وبرزخًا وآخرة، هذا لكل متصف بالموت في العلم، ألا ترى الملائكة مع كونها لها مقامات معلومة لا تتعداها وما حرمت مزيد العلم فإن الله قد عرفنا أنه علمّهم الأسماء على لسان آدم - عليه السلام -، فزادهم علمًا إلهيًا لم يكن عندهم بالأسماء الإلهية، فسبحوه وقدسوه بها، فساوتنا الملائكة في الترقي بالعلم لا بالعمل كما لا نترقىّ نحن بأعمال الآخرة لزوال التكليف، فنحن وإياهم على السواء في ذلك في الآخرة فما إرتقينا نحن في الدنيا إلى المقام الذي قبضنا عليه وهو المقام الذي خلق فيه غيرنا ابتداء لشرفنا
(1) الفتوحات المكية: 1/ 391، ب: 47.