تعالى ذكره في ملأ أنا فيهم فذكره الله في ملأ خير من ذلك الملأ الذي أنا فيهم، فما سررت بشيء سروري بهذه المسألة فإنه كان على قلبي منها كثير، وإن تدبرت قوله تعالى: {هُوَ الَّذِي يُصَلِّي عَلَيْكُمْ وَمَلَائِكَتُهُ} [الأحزاب: 43] ، وهذا كله بلسان التفصيل وأما جهة الحقائق فلا مفاضلة ولا أفضل لإرتباط الأشخاص بالمراتب، وإرتباط المراتب بالأسماء الإلهية وإن كان لها الابتهاج بذاتها وكمالها فابتهاجها بظهور آثارها في أعيان المظاهر أتمّ إبتهاجًا لظهور سلطانها كما تعطي الإشارة في قول القائل المترجم عنها حيث نطق بلسانها من كناية (نحن) المنزل عن الله في كلامه وهي كناية تقتضي الكثرة (الخفيف) :
نحن في مجلس السرور ولكن ... ليس إلا بكم يتم السُّرور
فمجلس السرور لها حضرة الذات وتمام السرور لها ما تعطيه حقائقها في المظاهر وهو قوله (بكم) وذلك لكمال الوجود والمعرفة لا لكمال الذات إن عقلت) [1] .
فلم تزل هذه المسألة اجتهادية فرعية ومع هذا نؤكد ان الثابت عن الشيخ ابن عربي ليس مجرد تفضيل الملائكة على الكامل من البشر، بل ورد عنه انه يفضل الكامل من البشر على الملائكة، وهذا ما نبه عليه الشعراني بقوله: (واعلم ياأخي ان القول بتفضيل الملائكة على خواص البشر قد نسب للشيخ محيي الدين وهو الذي رأيته في نسخ(الفتوحات) بمصر، وقد قدمنا في الخطبة ان نسخ مصر مما دس فيها على الشيخ، والذي رأيته في النسخة المقابلة على نسخ الشيخ بقونية المروية عنه بالاسناد ان خواص البشر افضل من خواص الملائكة، ويؤيده ما قاله الشيخ من الشعر اول الباب الثالث
(1) الفتوحات المكية: 3/ 93، ب: 73.