51]. وهنا يريد به الفعل بلا شك لأنه ليس فعل أصلًا فما فيه حقيقة من ذاته يشهد بها فعل الله لأنّ المخلوق لا فعل له، ولا يشهد من الله إلا ما هو عليه في نفسه وقد يرد الخلق ويراد به المخلوق كما قررنا لا الفعل، فلهذا جعلنا قوله: {وَهُوَ الَّذِي يَبْدَأُ الْخَلْقَ ثُمَّ يُعِيدُهُ} [الروم: 27] . أنه يريد به هنا الفعل لا المخلوق، فإن عين المخلوق ما زالت من الوجود واعني به الذات القائمة بنفسها) [1] .
إلى أن ذكر الشيخ أنّ النشأة التي نُخلق عليها على حسب مقام البرزخ ثم نشأة الآخرة ثم إلى الجنّة أو النار (وإنما إنتقلت من الدنيا إلى البرزخ كما تنتقل من البرزخ إلى الحشر إلى الجنة أو إلى النّار وهي هي من حيث جوهرها لا أنها عُدمت ثم وجدت فتكون الإعادة في حقها، فهو إنتقال من وجود الى وجود، من مقام إلى مقام، من دار إلى دار، لان النشأة التي نخلق عليها في الآخرة ما تشبه نشأة الدنيا إلا في اسم النشاء، فنشأة الآخرة ابتداء، فلو عادت هذه النشأة لعاد حكمها معها لأن حكم كل نشأة لعينها وحكمها لا يعود فلا تعود، والجوهر عينه لا غيره موجود من حين خلقه الله لم ينعدم، فإن الله يحفظ عليه وجوده بما يخلق فيه مما به بقاؤه، فالإعادة إنما هي في كون الحق يعود إلى الإيجاد بالنّظر إلى حكم ما فرغ من إيجاده من هذا المخلوق {ثُمَّ أَنْشَأْنَاهُ خَلْقًا آخَرَ} [المؤمنون: 14] . فما ذكر الله أعاده إلا أنه لو شاء لفعل كما قال، ثم إذا شاء أنشره لكنّه لم يشأ، فكلما فرغ ابتداء فعاد إلى حكم الابتداء، هذا حكم إلهي لا يزول، فحكم الإعادة ما خرج حكمها عن الحق فحكمها فيه لا في الخلق الذي هو المخلوق، فالعالم بعد وجوده ينتقل في أحوال جديدة يخلقها الله له فلا يزال الحق يخلق ويعود إلى الخلق فيخلق لا اله إلا هو على كل شيء
(1) الفتوحات المكية: 8/ 7، ب: 558.