وجوه الأحياء كثيرة متنوعة، كما كان وجود الخلق، فمن الخلق من أوجدته عن (كن) ومنهم من أوجدته بيدك، ومنهم من أوجدته بيديك، ومنهم من أوجدته ابتداء، ومنهم من أوجدته عن خلق آخر، فتنّوع وجود الخلق وإحياء الخلق بعد الموت إنما هو وجود آخر في الآخرة فقد يتنّوع وقد يتوحّد، فطلبت العلم بكيفية الأمر هل هو متنّوع أو واحد؟ فإن كان واحدًا فأيّ واحد من هذه الأنواع؟ فإذا أعلمتني به اطمأن قلبي وسكن بحصول ذلك الوجه والزيادة من العلم ممّا أمرت بها قال تعالى آمرًا: {وَقُلْ رَبِّ زِدْنِي عِلْمًا (114) } [طه: 114] . فأحاله على الكيفية بالطيور الأربعة التي هي مثال الطبائع الأربع إخبارًا بأن وجود الآخرة طبيعيّ يعني حشر الأجساد الطبيعية، إذ كان ثمَ من يقول: لا تحشر الأجسام وإنما تحشر النفوس بالموت إلى النفس الكلية مجردة عن الهياكل الطبيعية) [1] .
إلى أن أكد أن مع حشر الهياكل حشر الأرواح كذلك (وأما حشر الأرواح التي يريد أن يعقلها إبراهيم من هذه الدلالة التي أحاله الحق عليها في الطيور الأربعة فهي في الإلهيات كون العالم يفتقر في ظهوره إلى إله قادر على إيجاده، عالم بتفاصيل أمره، مريد إظهار عينه، حيّ لثبوت هذه النسب التي لا تكون إلا لحي) [2] .
ثم ذكر الآية: ( {ثُمَّ ادْعُهُنَّ يَأْتِينَكَ سَعْيًا} [البقرة: 260] ولا يدعى إلا من يسمع وله عين ثابتة فأقام له الدعاء بها مقام قوله(كن) في قوله: {إِنَّمَا قَوْلُنَا لِشَيْءٍ إِذَا أَرَدْنَاهُ أَنْ نَقُولَ لَهُ كُنْ فَيَكُونُ (40) } [النحل: 40] . فزاد يقينه طمأنينة بعلمه بالوجه الخاص من الوجوه إلامكانية ومن الزوائد وَاتَّقُوا اللَّهَ
(1) الفتوحات المكية: 4/ 224، ب: 225.
(2) الفتوحات المكية: 4/ 224، ب: 225.