وأما الذي ذكره القاضي عياض (53) ومَن نقل (2/أ) من كلامه من الإنكار على ابن شنبوذ (54) الذي كان يقرأ بالشواذ في الصلاة في أثناء المئة الرابعة، وجرت له قضية (55) مشهورة - فإنما كان ذلك في القراءات الشاذة الخارجة عن المصحف كما سنبينه.
ولم ينكر أحد من العلماء قراءة العشرة، ولكن مَن لم يكن (56) عالمًا بها، أو لم تثبت عنده - كمن يكون في بلد من بلاد الإسلام بالمغرب أو غيره، ولم يتصل به بعض هذه القراءات - فليس له أن يقرأ بما لا يعلمه منها، [فإن] (57) القراءة - كما قال زيد بن ثابت (58) : سُنّة يأخذها الآخر عن الأول.
كما أن ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم من أنواع الاستفتاحات في الصلاة، ومن أنواع صفة الأذان والإقامة وصفة صلاة الخوف وغير ذلك، كله حسن، يشرع العمل به لمن علمه.
وأما من علم نوعًا ولم يعلم غيره؛ فليس له أن يعدل عما علمه إلى ما لم يعلم، وليس له أن ينكر على من علم ما لم يعلمه من ذلك، ولا أن يخالفه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تختلفوا، فإن مَن كان قبلكم اختلفوا فهلكوا» (59) .
(53) اسمه عياض بن موسى بن عياض اليحصبي السبتي. عالم المغرب في وقته. من كتبه: شرح صحيح مسلم، ولي قضاء سبتة ثم غرناطة وتوفي بمراكش 544ه وللمقَّري كتاب مطبوع في سيرته (أزهار الرياض في أخبار القاضي عياض) . انظر وفيات الأعيان (511) 3/ 483.
(54) هو محمد بن أحمد بن أيوب أبو الحسن البغدادي ت 327ه وصفه ابن الجزري بالثقة والصلاح والتبحر في القراءات. كان يرى جواز القراءة بالشاذ مما يخالف رسم المصحف الإمام، فعُقد له مجلس حضره الوزير ابن مقلة وجماعة من العلماء منهم ابن مجاهد، واستُتيب ابن شنبوذ بعد ضربه واعترافه. انظر غاية النهاية 2/ 52 وما بعدها.
(55) في (ف) «قصة» وهي مرجوحة بما في الأصل.
(56) العبارة في (ف) 13/ 393 «ولكن من يكن عالمًا بها» وهو سهو بدليل إبقاء الفعل مجزومًا. .
(57) مطموس في الأصل أضيف من (ف) وهو كذلك في النشر 1/ 40.
(58) الأنصاري الخزرجي، كاتب النبي وأحد الذين جمعوا القرآن في حياته صلى الله عليه وسلم، ثم كتبه في المصحف لأبي بكر، ثم لعثمان حين جهزها إلى الأمصار. عرض القرآن على النبي صلى الله عليه وسلم، وعرض عليه عدد من الصحابة. ت 45ه على خلاف. [غاية النهاية (1305) 1/ 296] .
(59) رواه البخاري في صحيحه 6/ 116 باختلاف لفظي طفيف. وورد كذلك في المرشد الوجيز ص87 مقرونًا بخبره.