الصفحة 19 من 25

مرخصًا لهم فيه، وقد جُعل إليهم الاختيار في أي حرف اختاروه. كما أن ترتيب السور لم يكن واجبًا عليهم منصوصًا، بل مفوضًا إلى اجتهادهم. ولهذا كان ترتيب مصحف عبد الله على غير ترتيب مصحف زيد وكذلك مصحف غيره. وأما ترتيب آي السور فهو منزل منصوص عليه. فلم يكن لهم أن يقدموا آية على آية في الرسم كما قدموا سورة على سورة، لأن ترتيب الآيات مأمور به نصًّا، وأما ترتيب السور فمفوض إلى اجتهادهم، قالوا: فكذلك الأحرف السبعة. فلما رأى الصحابة أن الأمة تفترق وتختلف وتتقاتل إذا لم يجتمعوا على حرف واحد، اجتمعوا على ذلك اجتماعًا سائغًا - وهم معصومون أن يجتمعوا على ضلالة - ولم يكن في ذلك ترك لواجب ولا فعل لمحظور.

ومن هؤلاء من يقول: إن الترخيص في الأحرف السبعة كان في أول الإسلام، لِما في المحافظة على حرف واحد من المشقة عليهم أولًا، فلما تذللت ألسنتهم بالقراءة، وكان اتفاقهم على حرف واحد يسيرًا عليهم وهو أرفق بهم - أجمعوا على الحرف الذي كان في العرضة الآخرة، ويقولون: إنه نسخ ما سوى ذلك، وهؤلاء يوافق قولهم قولَ من يقول: إن حروف أُبَيّ بن كعب (71) وابن مسعود وغيرهما - مما يخالف رسم هذا المصحف - منسوخةٌ. (72)

وأما مَن قال عن ابن مسعود: إنه يجوّز القراءة بالمعنى فقد كذب عليه. وإنما قال: «قد نظرت إلى القَرَأة فرأيت قراءتهم متقاربة، وإنما هو كقول أحدكم: أقبلْ وهلمّ وتعال. فاقرءوا كما عُلّمتم» (73) أو كما قال.

(71) الأنصاري المدني، سيد القراء على الإطلاق. قرأ على النبي صلى الله عليه وسلم قال: عرض عليّ النبي صلى الله عليه وسلم القرآن وقال: أمرني جبريل أن أقرأ عليك القرآن. . قرأ عليه من الصحابة ابن عباس وأبو هريرة. ت سنة 30ه على خلاف. [غاية النهاية (131) 1/ 31] .

(72) عقد مكي في كتابه (الإبانة عن معاني القراءات) بابًا بعنوان «ما يُقبل من القراءات وما لا يُقبل» ردّ فيه كل قراءة لا توافق الرسم لمخالفة الإجماع. انظر الإبانة ص39 وما بعدها.

(73) ورد النص لابن مسعود باختلاف طفيف في غاية النهاية 1/ 459 وفيه: «سمعت (القراءة) فوجدتهم متقارنين» بفعل النساخ ولم يخرجه التحقيق. وصوابه (القرأة) جمع قارئ و (متقاربين) بالباء لتستقيم العبارة ومعناها. فبين أقبل وهلمّ وتعال تقارب لا قِران. انظر السبعة لابن مجاهد ص47 والمرشد الوجيز ص89.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت