فهرس الكتاب
وذهب فريق من أهل الكلام إلى وجوب القطع بنفيه، حتى قَطَع بعض هؤلاء كالقاضي أبي بكر بخطأ الشافعي (77) وغيره ممن أثبت البسملة [آية] (78) من القرآن في غير سورة النمل (79) لزعمهم أنّ ما كان من موارد الاجتهاد في القرآن فإنه يجب القطع بنفيه.
والصواب القطع بخطأ هؤلاء، وأن البسملة آية من كتاب الله حيث كتبها الصحابة في المصحف إذا لم يكتبوا فيه إلا القرآن وجردوه مما ليس منه كالتخميس والتعشير وأسماء السور. ولكن مع ذلك لا يقال: هي من السورة التي بعدها، كما [أنها] (80) ليست من السورة التي قبلها، بل هي كما كتبت - آية أنزلها الله في أول كل سورة وإنْ لم تكن من السورة. وهذا أعدل الأقوال الثلاثة في هذه المسألة.
وسواء قيل بالقطع في النفي أو الإثبات؛ فذلك لا يمنع كونها من موارد الاجتهاد التي لا تكفير ولا تفسيق فيها للنّافي ولا للمثبت. بل قد يقال ما قاله طائفة من العلماء: إن كل واحد من القولين حق، وإنها آية من القرآن في بعض القراءات -وهي قراءة الذين يفصلون بها بين السورتين - وليست آية في بعض القراءات، وهي قراءة الذين يصلون ولا يفصلون بها. (81)
وأما قول السائل: ما السبب الذي أوجب الاختلاف بين القراء فيما احتمله خط المصحف؟
(77) محمد بن إدريس بن العباس الهاشمي القرشي المطّلبي إمام المذهب. ولد في غزة وتوفي في القاهرة سنة 204ه كان شاعرًا أديبًا فقيهًا وعالمًا. وثمة خمس دراسات مطبوعة في سيرته ومناقبه وكتابه (الأم) [وفيات الأعيان 1/ 447 وطبقات الشافعية 1/ 185] .
(78) إضافة من (ف) سقطت في الأصل.
(79) أراد بذلك قوله تعالى في سورة النمل 27 آية 30: {إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللهِ الرَّحْمَنِ الرَّحِيمِ} .
(80) إضافة من (ف) سقطت في الأصل.
(81) كان ابن كثير وقالون وعاصم والكسائي يبسملون بين السورتين في جميع القرآن - ما عدا بين الأنفال وبراءة فلا أحد يبسمل فيه - وقرأ حمزة بالوصل بين كل سورتين بدون بسملة، وقرأ الباقون وهم: ابن عامر وأبو عمرو وورش بالبسملة وبالسكت. انظر باب البسملة في متن الشاطبية وشروحها، وانظر التيسير ص17 وما بعدها.