فأخبر أن كتابه لا يحتاج في حفظه إلى صحيفة تُغسل بالماء، بل يقرؤه في كل حال، كما جاء في نعت أمته: «أناجيلهم في صدورهم» (90) بخلاف أهل الكتاب الذين لا يحفظونه إلا في الكتب ولا يقرءونه كله إلا نظرًا، لا عن ظهر قلب.
وقد ثبت في الصحيح أنه جَمعَ القرآن كلَّه على عهد النبي صلى الله عليه وسلم جماعةٌ من الصحابة: كالأربعة الذين من الأنصار (91) ، وكعبد الله بن عمرو (92) . فتبين بما ذكرناه أن القراءات المنسوبة إلى نافع وعاصم. . ليست هي الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها، وذلك باتفاق علماء السلف والخلف، وكذلك ليست هذه القراءات السبع (93) هي مجموع حرف واحد من الأحرف السبعة التي أنزل القرآن عليها، باتفاق العلماء المعتبرين.
بل القراءات الثابتة عن أئمة القراءة كالأعمش ويعقوب وخلف (94) وأبي جعفر يزيد بن القعقاع وشيبة بن نصاح ونحوهم (95) هي بمنزلة القراءات الثابتة عن هؤلاء السبعة، عند مَن ثبت ذلك عنده كما ثبت ذلك (96) .
وهذا أيضًا مما لم يتنازع فيه الأئمة المتبوعون من أئمة الفقهاء والقراء وغيرهم، وإنما تنازع الناس من الخلف في المصحف العثماني الإمام، الذي
(90) الإنجيل عبري أو سرياني، يؤنث ويذكر حسب مراد القائل من صحيفة أو كتاب. انظر اللسان (نجل) وفيه نص الحديث النبوي.
(91) وهم: معاذ بن جبل وزيد بن ثابت وأبو زيد قيس بن السكن وأبيّ بن كعب. انظر غاية النهاية 2/ 28.
(92) عبد الله بن عمرو بن العاص السهمي. صحابي جليل، وأحد الذين جمعوا القرآن في حياة النبي صلى الله عليه وسلم. ت 65ه على خلاف [غاية النهاية (1835) 1/ 439] .
(93) في الأصول (السبعة) بفعل النسّاخ.
(94) أحد القراء العشرة، واسمه خلف بن هشام بن ثعلب الأسدي البغدادي. حفظ القرآن في سن العاشرة، سمع القرآن من الكسائي وضبط ذلك عنه. ت ببغداد 229ه. [غاية النهاية (1235) 1/ 272 وما بعدها] .
(95) ممن هو من غير القراء السبعة.
(96) يريد (كما ثبتت هذه السبع) .