أجاب (الشيخ تقي الدين بن تيمية) (15) :
الحمد لله رب العالمين. هذه مسألة كبيرة، فقد تكلم فيها أصناف العلماء: من الفقهاء والقراء وأهل الحديث والتفسير والكلام وشرح الغريب وغيرهم (16) حتى صُنّف فيها التصنيف المفرد. ومن آخر ما أُفرد في ذلك ما صنفه الشيخ أبو محمد عبد الرحمن بن إسماعيل بن إبراهيم الشافعي المعروف بأبي شامة (17) صاحب شرح الشاطبية (18) .
فأما ذكر أقاويل الناس وأدلتهم وتقرير الحق فيها مبسوطًا؛ فيحتاج من ذكر الأحاديث الواردة في ذلك وذكر ألفاظها وسائر الأدلة - إلى ما لا يتسع له هذا المكان. . ولا يليق بمثل هذا الجواب، ولكن نذكر النكت الجامعة التي تنبِّه على المقصود بالجواب، فنقول: (19)
لا نزاع بين العلماء المعتبرين بأن الأحرف السبعة التي ذكر النبي صلى الله عليه وسلم أن القرآن أنزل عليها - ليست هي قراءات القراء السبعة المشهورة، بل أول من جمع قراءات
(15) ما بين القوسين ليس في الفتاوى.
(16) حتى قال القرطبي في مقدمة تفسيره 1/ 42 «وقد اختلف العلماء في المراد بالأحرف السبعة على خمسة وثلاثين قولًا» اختار منها القرطبي خمسة. .
(17) في الفتاوى «بابن أبي شامة» وهو لقب أبيه. ففي غاية النهاية 1/ 365 لابن الجزري قوله «وقيل له أبو شامة لأنه كان فوق حاجبه الأيسر شامة كبيرة» وهو أحد أبرز علماء دمشق في القرن الهجري السابع (ت 665ه) قرأ على السخاوي علم الدين، وألف في فنون عدة. أما كتابه الذي أشار إليه الإمام ابن تيمية فهو (المرشد الوجيز إلى علوم تتعلق بالكتاب العزيز) ويتضح فيه اهتمام المؤلف بتفسير حديث الأحرف السبعة وبيان صلته بالقراءات السبع، فكأنما ألفه لهذا. انظر [طبقات الشافعية 5/ 61 وغاية النهاية (1558) 1/ 365 والمرشد الوجيز ص6 وما بعدها] .
(18) الشاطبية منظومة لامية في القراءات تضم 1173 بيت على الطويل، نُسبت إلى ناظمها القاسم بن فيرُّه الشاطبي الأندلسي (ت بالقاهرة 590ه) نظم فيها كتاب التيسير في القراءات السبع، لمؤلفه أبي عمرو الداني ت 444ه مصرِّحًا بذلك في البيت الثامن والستين بقوله:
وفي يُسْرِها «التيسير» رُمْتُ اختصاره ... فأجْنَتْ بعون الله منه مؤمَّلا
وسماها (حرز الأماني ووجه التهاني) ط. أما شرح أبي شامة لها فهو المسمى (إبراز المعاني من حرز الأماني) .
(19) أورد ابن الجزري جواب الإمام ابن تيمية بتصرف وتلخيص في كتابه منجد المقرئين ص28 وما بعدها، وجاء في مطلعه أن السائل هو أبو حيان النحوي (745ه) .