الصفحة 17 من 64

2 -وتبعًا للقاعدة السابقة في زيادة الثقة - أيضًا - فقد برز بوضوح في عمل المتأخرين الحكم على الأسانيد مفردة دون النظر في بقية طرق الحديث التي قد تظهر علة قادحة في هذا الإسناد المفرد، وفي هذا المنهج هدم لجزء كبير مما اشتملت عليه كتب العلل، ولهذا قل اهتمامهم بهذه الكتب، حتى لا تكاد تذكر إلا قليلًا مع أهميتها البالغة وجلالة مؤلفيها.

3 -ومما يميز منهج المتأخرين أنهم لا يعتنون كثيرًا بالتفريق بين أحاديث الراوي، لأنهم لما حكموا بأنه ثقة ألزموا أنفسهم بقبول كل ما روى، ولهذا ظهر في العصور المتأخرة الحرص على إبداء كلمة مختصرة في الحكم على الراوي لتكون عامة في جميع رواياته.

4 -ومن الأمور الظاهرة في منهج المتأخرين المبالغة الظاهرة في تقوية النصوص المعلولة بعضها ببعض، وقد أسرف بعض المعاصرين في هذا جدًا، وحتى قُوِّيَّ الخطأ بالخطأ فصار صوابًا، ولا شك أن تقوية النصوص بعضها ببعض أمر وارد عند أئمة الحديث المتقدمين ولكن ذلك على نطاق معين، وله شروط وضوابط، ولم يراعها كثير من المتأخرين.

وبناءًا على الاختلاف في المنهج بين المتقدمين والمتأخرين من خلال النقاط السابقة وغيرها مما لم أذكره، ظهر اختلاف شديد وتباين واضح في الحكم على الأحاديث، فوجدنا مئات الأحاديث التي نص الأئمة المتقدمون على ضعفها أو أنها خطأ ووهم، قد صححها بعض المتأخرون، وصار الأمر كما ذكر شيخ الإسلام ابن تيمية من أن بعض المتأخرين عمدوا إلى أحاديث هي خطأ عند بعض الأئمة المتقدمين فصححها هؤلاء المتأخرون ثم عارضوا بها النصوص الثابتة فاحتاجوا إلى الجمع بينها فجاءوا بأوجهٍ مستنكرة في الجمع بين هذه النصوص. وما ذكره أمر واقع لا شك فيه، بل اضطر بعض المتأخرين إلى تبني أقوال مهجورة وآراء شاذة في بعض المسائل تبعًا لتصحيحه لبعض النصوص الساقطة والأوهام والأخطاء.

والنتائج المترتبة على الاختلاف بين المنهجين عظيمة جدًا، وتمثل خطرًا جسيمًا على علم السنة إذ يُنسَب إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يثبت عنه،بل ما يعلم أنه أخطئ عليه فيه، وهذه نتيجة طبيعية للفروق الكبيرة بين المنهجين.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت