ثالثًا: لايخفى على أحد أن علم الحديث كان خلال القرون الأولى حيا بين أهله؛ لأنهم هم الذين سايروا مراحل نموه وتطوره، وواجهوا الأخطار التي أحدقت به بما يدفعها، وهم الذين وضعوا قواعده وأتموا بناءه، حتى اكتمل 0 وأنه بعد ذلك ابتدأ في التناقص، حتى وصل الى درجة الغربة (كما صرح بذلك ابن الصلاح ت 643ه) 0ولذلك غمضت على المتأخرين كثير من معالمه، وخفيت عليهم معاني بعض مصطلحاته، وصاروا يصرحون في مواطن كثيرة (بلسان الحال والمقال) أنهم مفتقرون الى الإستقراء والدراسة لأقوال المتقدمين ومناهجهم لاستيضاح معالم علم الحديث ومعاني مصطلحاته التي كانت حية واضحة المعالم عند المتقدمين (كما سبق) 0
ولذلك كنت قد وصفت المتقدمين في كتابي (المنهج المقترح) ب (أهل الإصطلاح) ، ووصفت المتأخرين بأنهم (ليسوا من أهل الإصطلاح) ؛ لأنهم (أعني المتأخرين) مترجمون لمعاني مصطلحات المتقدمين،
ومستنبطون لمعالم علمهم: أصولا وفروعا، وليس لهم دور آخر سوى ذلك، إلا أن يحفظوا لنا الأوعية التي تركها المتقدمون (وهي الكتب) 0
وبذلك يظهر لنا الفرق الكبير بين الفريقين، إنه كالفرق بين: من كان من أهل الإحتجاج بلغته من العرب (فهم أهل اللغة) ، ومن جاء بعد انقراض هؤلاء ممن صنف كتب اللغة 0 بل من جاء بعدهم بزمن، بعد أن أفسد علم المنطق من علوم اللغة ما أفسده في العلوم الأخرى، وبعد أن ضعف العلم باللغة كما ضعفت العلوم الأخرى!!!
وإذا كان الأمر بالنسبة للمتقدمين والمتأخرين على ما سبق شرحه، فهل يشك أحد أن هناك فرقا بين المتقدمين والمتأخرين؟!!!
وإني لأسأل: إذا تكلم في علم من العلوم رجلان، أحدهما: أعلم به، بل هو من مبدعيه وواضعيه 0 وثانيهما: أقل علما به بمراتب، بل قصارى شأنه أن يفهم كلام الأول ويستوضح منهجه = أيهما سيكون أولى بمعرفة الحق في مسائله؟ ومن منهما سيكون قوله أصوب وأسد 0