الصفحة 29 من 64

وإن كان في قول أبي الحسن الأندلسي بعض المؤاخذات العلمية التي سأبديها قريبًا فإن هذه النصوص أفادتنا عمومًا بضرورة التفريق بين الفقهاء و علماء الأصول وبين نقاد الحديث في تنظير قواعد التصحيح و التضعيف وتطبيقاتها، لئلا تكون المفاهيم حولها ملفقة بين مناهجهم المختلفة. ومعلوم أن هذه القواعد إنما تؤخذ عن المحدثين النقاد، دون غيرهم، ويجب التسليم لهم في ذلك، ولذا قال الحافظ ابن حجر:"يتبين عظم موقع كلام المتقدمين، وشدة فحصهم، وقوة بحثهم، وصحة نظرهم، وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه"13

وقال أيضًا:"... فمتى وجدنا حديثًا قد حكم إمام من الأئمة المرجوع إليهم بتعليله، فالأولى اتباعه في ذلك كما نتبعه في تصحيح الحديث إذا صححه"14

وقال ابن كثير:"أما كلام هؤلاء الأئمة المنتصبين لهذا الشأن (أي في جرح الرواة) فينبغي أن يؤخذ مسلما من غير ذكر أسباب، وذلك للعلم بمعرفتهم، و اطلاعهم، واضطلاعهم في هذا الشأن، واتصفوا بالإنصاف والديانة، والخبرة والنصح، لا سيما إذا أطبقوا على تضعيف الرجل أو كونه متروكا أو كذابًا أو نحو ذلك فالمحدث الماهر لا يتخالجه في مثل هذا وقفه في مواقفهم، لصدقهم وأمانتهم و نصحهم"15.

وقال السخاوي: فمتى وجدنا في كلام أحد المتقدمين الحكم به كان معتمدا لما أعطاهم الله من الحفظ الغزير وإن اختلف النقل عنهم عدل إلى الترجيح ا. هـ16

وهذا الإمام السبكي يسجل لنا ما صدر من الإمام الجويني ـ وهو أحد أئمة علم الكلام والأصول ـ من بالغ التقدير والاحترام لمنهج المحدثين النقاد في التصحيح والتضعيف، وذلك بعد أن أدرك خطأه في طريقة تصحيحه للأحاديث، والاحتجاج بها، وهذا نصه:

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت