الصفحة 60 من 64

فوضعت هذه الضوابط أول ما وضعت تقريبًا لعلم أصول الحديث إلى أذهان الطلاب وتعريفًا لهم بطريقة السلف في التعامل مع الأحاديث تصحيحًا وتعليلًا (1) .

ثم ما لبثت هذه القواعد والضوابط أن جعلها بعض المعاصرين سيفًا يبارز به الأئمة الفحول من المتقدمين (2) فيصحح ما ضعفوه أو يضعف ما صححوه بحجة أن كلام المتقدمين على هذا الحديث أو ذاك يخالف ما تقرر في 0 قواعد المصطلح) (3) !!!.

(1) ومما يدل على ذلك أن عمدة كتب المتأخرين في المصطلح هو كتاب (مقدمة ابن الصلاح) ، وقد صرح ابن الصلاح بأن باب التصحيح والتضعيف قد أغلق ولا بد فيه من الاعتماد على أقوال المتقدمين فقط (المقدمة) ص16،17.

(2) بالنسبة لعمل فضلاء المتأخرين كالنووي والذهبي وابن حجر والعراقي والسخاوي ونحوهم فإنهم وإن قعدوا تلك القواعد إلا أنهم لم يبارزوا بها أولئك الأئمة، فيصححوا ما ضعفوه أو يضعفوا ما صححوه. فقد قال الحافظ بن حجر ـ وهو من واضعي قواعد المصطلح ـ في (النكت) 2/ 726ـ عند كلامه على تعليل للسلف لبعض الأحاديث ـ (وبهذا التقرير يتبين عظم موقع كلام الأئمة المتقدمين وشدة فحصهم وقوة بحثهم وصحة نظرهم وتقدمهم بما يوجب المصير إلى تقليدهم في ذلك والتسليم لهم فيه) اهـ، وقال في حديث ظاهر إسناده الصحة قال عنه أبو حاتم (باطل) (التلخيص) 2/ 131: (لكن أبو حاتم إمام لم يحكم عليه بالبطلان إلا بعد أن تبين له) اهـ، وقال الذهبي في (الموقظة) ص45 عند كلام له على بعض الرواة (وهذا في زماننا يعسر نقده على المحدث، فإن أولئك الأئمة كالبخاري وأبي حاتم وأبي داود عاينوا الأصول وعرفوا عللها وأما نحن فطالت علينا الأسانيد وفقدت العبارات المتيقنة) اهـ.

(3) نحو قول بعض المعاصرين ردا على بعض الأحاديث التي أعلها السلف: (هذا إسناد رجاله ثقات فهو صحيح فلا التفات إلى قول من ضعفه) ، (وذاك إٍناد وإن تفرد به فلان لكنه ثقة وتفرد الثقة مقبول) ، (وتلك الزيادة زادها فلان وزيادة الثقة مقبولة) = ونحوه قولهم بفي بعض الأحاديث التي صححه السلف: (وهذا الإسناد وإن كان رجاله ثقات إلا أن فيه فلانا وهو مدلس وقد عنعن) ، (وهذا الإسناد ضعيف لأن فيه فلانًا وهو سئ الحفظ) ، (وهذا إسناد حسن لا صحيح لأن فيه فلانًا وهو(صدوق) كما في (التقريب) ، وأعجب من هذا كله قول أحد أولئك على حديث أعله إمام العلل أبو الحسن علي بن المديني (وهو أعلم من الإمام أحمد بعلم العلل كما ذكره الإمام أحمد نفسه في رواية حنبل عنه ـ وهو الذي يقول فيه البخاري ـ أمير المؤمنين في الحديث ـ(ما استصغرت نفسي عند أحد إلا عند علي بن المديني) فجاء هذا إلى الحديث الذي أعله ذلك الإمام قائلًا (ما هكذا تعلل الأحاديث يا ابن المديني) !!!! ول سألت هذا (المزاحم لأولئك الجهابذة) أن يروي لك حديثًا واحدًا بالإسناد حفظًا ما استطاع، وربما لو قرأه نظرًا لصحف في مواضع، ولو علم هؤلاء قدرهم لعلموا أن من أعظم النعم عليهم في هذا الباب أن لو فهموا تعليلات السلف للأحاديث على وجهها واستطاعةا شرحها ولكن (ساء فهم فساء جابه) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت