وهل (مصطلح الحديث) و (قواعده) إلا محاولة لتقريب علوم أولئك الجهابذة إلينا؟! فالواجب محاكمة (قواعد المصطلح) إلى عمل أولئك الأئمة لا محاكمة عملهم إلى (قواعد المصطلح) .
وإن من أعظم الفوارق بين ما انتهجه المتقدمون في علم الحديث، وما النتهجه المتأخرون هو أن المتقدمين كانت أحكامهم تقوم على السبر والتتبع والاستقراء في التصحيح والتضعيف والتوثيق والتجريح والتعليل والحكم بالوهم والتدليس والنكارة ونحو ذلك، مع الحفظ والفهم وكثرة المدارسة والمذاكرة، وأما المتأخرون فغلب علة منهجهم الاعتماد على الضوابط التي سبق الإشارة إليها، وجعلها كثير من المعاصرين طريقًا سهلًا يختصر عليهم عناء الحفظ ويطوي عنهم بساط الاستقراء والتتبع والممارسة والمقارنة والنظر في القرائن وأحوال الأسانيد والمتون، فيكفي الطالب منهم ليقارع أكبر الأئمة في ذلك الزمن أن يقرأ كتابًا في (مصطلح الحديث) ، ويخرّج بعض الأحاديث (1) .
(1) لا أعني في هذا الكلام أن باب التصحيح والتضعيف أغلق، ولكن الفوائد من معرفة علوم الحديث على منهج المتقدمين متعددة أهمها ثلاثة أمور:
الوقوف على مآخذهم في الحكم على الأحاديث، فإن هذا يحدث من الاطمئنان أكثر مما يحدثه التقليد المحض.
الترجيح بين أقوالهم عند اختلافهم في التصحيح والتضعيف استنادًا إلى طرقهم في ذلك.
الحكم على الأحاديث التي لم يبلغنا حكمهم فيها.
أما مزاحمتهم في أحكامهم على الأحاديث فلا والله.