الحاكم عن معاذ بن جبل - رضي الله عنه - قال: كنا مع رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في غزوة تبوك فقال لي: (( إن شئت أنبأتك برأس الأمر وعموده وذروة سنامه، قال: قلت: أجل يا رسول الله، قال: أما رأس الأمر فالإسلام، وأما عموده فالصلاة، وأما ذروة سنامه فالجهاد ) ) [1] ، فإذا كان الدِّين يمكن تشبيهه بناقة؛ فإنّ الإسلام بمعنى الدخول في الإسلام هو رأس هذه الناقة، لأنّ الناقة بلا رأس لا يمكن أن تكون حيةً، والصلاة تكون بمثابة عمودها الفقري الذي تصبح الناقة بانعدامه جسدًا لا حسّ فيه ولا قدرة على الحركة، ويكون الجهاد ذروة سنام هذه الناقة، أي قمة سنامها، وفي هذا التشبيه كناية عن الشرف، فإنّ ذروة السنام أشرفه [2] ، والجهاد في سبيل الله بأنواعه فيه صون شرف الأمة، وبتركه يتكالب الأعداء عليها وينالون من شرفها.
وللجهاد أهمية سياسية واجتماعية تبعًا لأهميته الدينية، وإذا علمنا بأنّ الجهاد لم يُشرع إلاّ مع وجود الدولة الإسلامية ومن أجل الدفاع عنها [3] ؛ فإنّنا ندرك أهميته السياسية من خلال هذه المعرفة، إذ لا يمكن للدولة الإسلامية أن تبقى صامدة بكامل مقوماتها الدعوية الإسلامية إلاّ بالاعتماد على الجهاد بأنواعه
(1) المستدرك على الصحيحين، ج2، ص86. قال الحاكم: هذا حديث صحيح على شرط الشيخين ولم يخرجاه. وانظر كذلك: أحمد بن حنبل، المسند، القاهرة: مؤسسة قرطبة، ج5، ص231.
(2) قال ابن منظور الإفريقي: وذروة كل شيء .. أعلاه ... وذروة السنام والرأس: أشرفهما. لسان العرب، بيروت: دار صادر، ج14، ص284.
(3) انظر تاريخ مشروعية الجهاد عند الأمم السابقة في كتاب: الدعوة إلى الله تعالى ومسؤولية العلماء في الارتقاء بها، لمحمد عامر مظاهري، القاهرة: مكتبة الآداب، ط1: 1427هـ، ص28 وما بعدها.