حسب الزمان والمكان، وبما أنّ مصير الدولة الإسلامية مرتبط بإقامة الجهاد بأنواعه؛ فإنّه من الطبعي أن يكون مصير المجتمع الإسلامي مرتبطًا أيضًا بهذا الحُكم، إذ لا يُتصوَّر وجود مجتمع إسلامي محافظ على جميع القيم الإسلامية ومؤديًا جميع الواجبات الدينية في معزلٍ عن دولة إسلامية [1] .
وإقامة الجهاد في سبيل الله تحتاج إلى عدة وعتاد [2] ، ولا يمكن توافر هذه العدة وذلك العتاد إلا بتوافر العامل الاقتصادي، ولذا حثّت آيات كثيرة من القرآن الكريم على الإنفاق في سبيل الله [3] ، ونظرًا لهذه الأهمية البالغة للجهاد في سبيل، ولاسيما القتال في ساحات المعارك، ونظرًا لحاجة الجهاد إلى الأموال؛ سدّ القرآن الكريم هذه الحاجة بإباحة الغنائم [4] للمقاتلين في سبيل الله على
(1) وقد فقه الشاعر الإسلامي محمد إقبال حقيقة هذه العلاقة الوطيدة بين المجتمع الإسلامي والدولة الإسلامية عندما قدّم في خطبته الشهيرة بمدينة إله آباد الهندية عام 1930م تصوره عن ضرورة إقامة دولة إسلامية خاصة بمسلمي شبه القارة الهندية بعد نهاية الاستعمار البريطاني. خليفة عبد الحكيم وغلام رسول مهر، إقبال، دائرة المعارف الإسلامية، لاهور: جامعة بنجاب، ط1: 1400هـ، ج3، ص11.
(2) قال تعالى: {وأعدوا لَهُمْ مَا اسْتَطَعْتُمْ مِنْ قُوَّةٍ وَمِنْ رِبَاطِ الْخَيْلِ تُرْهِبُونَ بِهِ عَدُوَّ اللَّهِ وَعَدُوَّكُمْ وَآَخَرِينَ مِنْ دُونِهِمْ لَا تَعْلَمُونَهُمُ اللَّهُ يَعْلَمُهُمْ وَمَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فِي سَبِيلِ اللَّهِ يُوَفَّ إِلَيْكُمْ وَأَنْتُمْ لَا تظلمون} . سورة الأنفال، الآية: 60.
(3) ومن ذلك قوله تعالى: {وأنفقوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ وَلَا تُلْقُوا بِأَيْدِيكُمْ إِلَى التَّهْلُكَةِ وَأَحْسِنُوا إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ المحسنين} . سورة البقرة، الآية: 195.
(4) الأصل في إباحة الغنائم الآيتان اللتان تم ذكرهما في أول الموضوع، والغنيمة: (( المال الذي يأخذه المسلمون من الكفار بإيجاف الخيل والركاب ) ). النووي، روضة الطالبين، بيروت: المكتب الإسلامي، ط2: 1405هـ، ج6، ص368، وانظر: المغني، ج6، ص313. وقد عرفها المتأخرون بقولهم: (( الغنيمة: اسم لما أخذ من أموال الكفرة قهرًا بقتال على وجه يكون فيه إعلاء لكلمة الله تعالى، وتسمّى أيضًا الأنفال ) ). نخبة من العلماء، الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة (مرجع سابق) ، ص205.