الصفحة 117 من 190

وأما ثانيًا: فقد قال الآمدي (1) : إنّ المعتزلةَ كانوا في الصدر الأول يلقَّبون مَن

خالفَهم في القدر مرجئًا، أو لأنه لَمَّا قال: الإيمان يزيد ولا ينقص، ظنَّ به الإرجاء بتأخير العمل عن الإيمان. انتهى (2) .

وخلاصة المرام في هذا المقام أن الإرجاء:

قد يطلق: على أهل السنة والجماعة من مخالفيهم المعتزلة الزاعمين بالخلود الناري لصاحب الكبيرة.

وقد يطلق على الأئمة القائلين بأن الأعمال ليست بداخلة في الإيمان، وبعدم الزيادة فيه والنقصان، وهو مذهب أبي حنيفة وأتباعه من جانب المحدثين القائلين بالزيادة والنقصان، وبدخول الأعمال في الإيمان.

وهذا النِّزاع وإن كان لفظيًا كما حقَّقَه المحققون من الأولين والآخرين (3)

(1) وهو علي بن محمد بن أبي علي التغلبي الآمدي الشافعي، أبو الحسن، سيف الدين، قال: الأسنوي: صاحب التصانيف النافعة، والعلوم الكثيرة المحقَّقة. له: (( غاية المرام في علم الكلام ) )، و (( دقائق الحقائق في الحكمة ) )، و (( إحكام الأحكام في الأحكام ) )، (551-631هـ) . ينظر: (( طبقات الأسنوي ) ) (1: 73) ،. (( مرآة الجنان ) ) (4: 73) .

(2) من (( الخيرات الحسان ) ) (ص80) .

(3) منهم الإمام الكشميري إذ قال في (( فيض الباري شرح صحيح البخاري ) ) (1: 53-54) : مذهب أهل السنة والجماعة إن الأعمال أيضًا لا بُدَّ منها، لكن تاركها مفسّق لا مكفّر، فلم يشدِّدوا فيها كالخوارج والمعتزلة، ولم يُهوِّنوا أمرَها كالمرجئة.

ثم هؤلاء افترقوا فرقتين، فأكثر المحدِّثين إلى أن الإيمان مركب من الأعمال، وإمامنا الأعظم - رضي الله عنه - وأكثر الفقهاء والمتكلِّمين إلى أنَّ الأعمال غير داخلة في الإيمان مع اتفاقهم جميعًا على أن فاقد التصديق كافر، وفاقد العمل فاسق، فلم يبق الخلاف إلا في التعبير، فإن السلف وإن جعلوا الأعمال أجزاءً، لكن لا بحيث ينعدم الكل بانعدامها، بل يبقى الإيمان منع انتفائها.

وإمامنا - رضي الله عنه - وإن لم يجعل الأعمال جزءًا، لكنه اهتمَّ بها، وحرَّض عليها، وجعلَها أسبابً ساريةً في نماء الإيمان، فلم يهدرها هَدْرَ المرجئة، إلا أنّ تعبير المحدِّثين القائلين بجزئية الأعمال لمَّا كان أبعدَ من المرجئة النكرين جزئية الأعمال، بخلاف تعبير إمامنا الأعظم - رضي الله عنه - فإنه كان أقرب إليهم من حيث نفي جزئية الأعمال: رمي الحنفيةُ بالإرجاء، وهذا كما ترى جَوْر علينا، فالله المستعان.

... ولو كان الاشتراك مع المرجئة بوجهٍ من الوجوه التعبيريّة كافيًا لنسبة الإرجاء إلينا، لزمَ نسبة الاعتزال إلى إلى المحدِّثين، فإن المعتزلة قائلون بجزئية الأعمال أيضًا كالمحدثين، ولكن حاشاهم من الاعتزال، وعفا الله عمَّن تعصَّب ونَسَب إلينا الإرجاء، فإن الدين كلَّه نصح، لا مُراماةٌ ومنابذةٌ بالألقاب! ولا حول ولا قوة إلا بالله العلي العظيم.

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت