فهرس الكتاب
ويا للعجب من رحل يختارُ في حقِّ الحَرَّانيّ والنَّجديّ أقوالَ المعدِّلينَ ويقطعَ النظر عن أقوال المشنِّعين، ويذبُّ عنهم وعن أتباعهم، ويعيبُ على مَن يعيبُ عليهم مع أحزابهم، ويختارُ في حقِّ الإمام أبي حنيفة سيِّدِ كلِّ قدوةٍ وثقةٍ أقوالَ الذامين المضعِّفين مع بطلانها، ويصفحَ عن أقوال الموثِّقين والمثنين مع وثاقتِها فأيّ شناعةٍ أشنعُ من هذه الخباثة، وأي قباحةٍ من هذه الحماقة.
ولعمري هي من أكبر بنات (1) الدهر، ودفن البنات من المكرمات، كما وردَ به الخبر.
رأيتُ الذنوب تميتُ القلوب
وقد يورث الذال ادمانها
وترك الذنوب حياة القلوب
وخير لنفسك عصيانها
وهل أفسد الدين إلاَّ الملوك
وأحبار سوء ورهبانها )) (2)
تشكيك
(( قال(3) سلمه الله تعالى: أبو حنيفة نعمان بن ثابت إمام الحنفية، ومقتدى أصحاب الرأي.
تفكيك
أقول: فيه إشارة إلى كونه من أصحاب الرأي، فإن أراد بالرأي العقل والفهم فهو منقبةٌ شريفةٌ، فإن مَن لا عقلَ له لا علمَ له، ولن يتمَّ أمرُ المنقول إلا بالعقول.
وإن أراد به القياس الذي هو أحد الحجج الأربعة، فإن قصد به الإشارة إلى أنه يقيس فكلّ أحدٍ من المجتهدين يقيس، فإن القياسَ والاجتهادَ خصلةً جميلةً، والحرمانُ عنها مذمةٌ شنيعة، كيف لا؟ وهو من مناصب النبوة، ومن مراتب الصحابة، فمَن فازَ من العلماء بملكتِه فازَ بحقِّ الوراثة.
وإن قصدَ به أنه يقدِّمُ القياسَ على الكتابِ والسنة، فهو فريةٌ بلا مرية. كما حقَّقَه ابنُ عبد البر وابنُ حجر وعبدُ الوهاب الشعراني وغيرُهم في تصانيفهم، ولولا خوف الإطالة لا وردت عباراتهم )) (4) .
تشكيك
(1) أي مصائبه التي تحدث فيه. منه.
(2) تذكرة الراشد )) (ص287-288) .
(3) أي القنوجي في (( أبجد العلوم ) ) (3: 121) .
(4) إبراز الغي (ص148) .