فهرس الكتاب
أقولُ: على الخبيرِ سقطتَ، وعن البصيرِ سألتَ: ولستُ أنا بحمدِ الله ممَّن يدَّعي الدَّعاوي العريضةَ، وعند طلبِ الدَّليلِ عنه يسكتُ ويتحيَّرُ ويصمت، ويتبخترُ وينطقُ بالكلماتِ السَّخيفةِ، وأنِّي وإن كنتُ فرغتُ عن هذا في (( مقدِّمة تعليقي المختصرِ المتعلِّقِ بشرحِ الوقايةِ ) ) (1) المُسمَّى بـ (( عمدةِ الرِّعاية ) )، فقد ذكرتُ فيها أدِّلةً كثيرةً على بطلانِ هذه الجملة السَّخيفة، لكن لا عليَّ أن أذكرَ نبذًا منه هاهنا مع فوائدَ مفيدةِ، كالدُّرَرِ الفريدةِ، يُحصِّلُ الاستغناءَ، ويدفعُ عن خلقِ اللهِ الشَّرَّ والعَناء.
(( ونحن نقول:
أوّلًا: إنّ هذا القولَ ان لم يكن غلطًا وزلَّةً من ابن خلدون، أو من كتَّاب (( تاريخه ) )، أو من مهتمي طبعه، فهو قولٌ مخالفٌ للثقات الذاكرين تعداد الروايات للإمامِ الأعظم ذي الكرامات، فيكون شاذًّا مردودًا.
وثانيًا: إنّ ابنَ خلدون وإن كان ماهرًا في الأمور التاريخيّة إلاّ أنه لم يكن ماهرًا بالعلوم الشرعية. كما نصّ عليه شمس الدين السَّخَاوِيّ في ترجمته في (( الضوء اللامع في أعيان القرن التاسع ) ) (2) ، فكيف يكون قولُهُ مقبولًا في هذا المرام، فإنّ مَن لا مهارةَ له في العلومِ الشرعيَّة لا يقفُ على مراتبِ الأئمة الأعلام فيما يتعلَّق بالأمور النقليّة، فلا يقبل قوله لا سيما إذا كان مخالفًا لغيره.
وثالثًا: إنّه ذكره ابن خلدون بلفظ: يقال، الدالُّ على ضعفِهِ وعدم حصولِ إذعانه به، ولم يجزم به، فكيف يحتجّ به.
(1) مقدمة العمدة )) (1: 35) .
(2) الضوء اللامع )) (4: 145-149)