الصفحة 137 من 190

وهذا القول قد اغترَّ عليه كثيرٌ من عوَّامِ الزمان، وفتحوا لسانَ الطعنِ على الإمامِ العظيم الشأن، وقالوا: لم يكن له بالحديث عرفان، ولم يرو إلاَّ سبعةَ عشرَ حديثًا كما صرَّح به ابنُ خلدون المؤرِّخُ الكبيرُ الشأن، ولا عجب منهم، فلم يزل من شأن الجهلاءِ الطعنُ على العلماء، وهذا أمرٌ نالَه العلماءُ بوراثتهم عن الأنبياء، فكما طعنَ معاصرو الأنبياء ومَن بعدهم ممَّن لم يعرف قدرهم ولم يدرك رتبتَهم الرسل والأنبياء، كذلك يطعنُ جهلاءُ كلِّ عصرٍ على مَن يعاصرهم، ومَن سلفِهم من العلماء المتدينين والأئمّة المجتهدين.

إنّما العجبُ من العلماء حيث ينقلونَ هذا القولَ المردود القبيح، ويقرؤنه ويسكتون عليه ولا يتعرَّضون بالتغليظ والتقبيح، وقد نقلَه بعضُ أفاضلِ عصرنا في كتابه: (( الحطّة بذكر الصحاح الستّة ) ) (1) ، وسكت عليه، ومنه أخذَ بعضُ أتباعِه ومقلِّديه هذه الكلمة وأشاعَها، وظنَّ صدقَها وروَّجَها مع أنّه يحرمُ على العالم لاسيما مَن كان نظره وسيعًا وعلمه رفيعًا أن ينقلَ هذه الكلمة إلا للردِّ عليها وتغليطها )) (2) .

تشكيك

(( قلتُ: في (( إبرازِ الغَيِّ ) ): الثَّمانونَ: ذكر (3) في (الفصلِ الخامسِ) من (البابِ الأوَّل) : اعلم أنَّ الأئمَّةَ المجتهدينَ تفاوتوا في الإكثارِ من هذهِ الصِّناعةِ والإقلال؛ فأبو حنيفةَ يقالَ بلغتْ رواياتُهُ إلى سبعةَ عشرَ حديثًا… إلخ.

وهذا وإن كانَ مذكورًا في (( مقدِّمةِ ابنِ خلدونَ ) ) (4) ، وأخذَ كلامَهُ هاهنا بتمامِه، ونقلَهُ برمَّتِه، لكنَّهُ قولٌ مردودٌ، والظَّاهرُ أنَّه ليس من ابن خلدون، بل من غلطِ الكُتَّابِ… الخ (5) .

قال ناصرُكَ المختفي: لا نسلِّمُ بطلانَ هذا القول، ومَن يدَّعي فعليه البيان.

تفكيك

(1) الحطة بذكر الصحاح الستة )) للقنوجي (ص73) .

(2) مقدمة العمدة )) (1: 34-35) .

(3) أي القنوجي في (( الحطة ) ) (ص79) .

(4) مقدمة ابن خلدون )) (ص311) .

(5) انتهى من (( إبراز الغي ) ) (ص79-80) .

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت