الصفحة 141 من 190

وقوله: يدلُّ على أنه ـ يعني أبا حنيفةَ ـ من كبارِ المجتهدينَ في الحديثِ اعتمادُ مذهبِهِ فيما بينهم، والتَّعويلُ عليه، واعتبارِهِ ردًا وقبولًا، وأمَّا غيرُه من المحدِّثين، وهم الجمهور، فتوسَّعوا في الشُّروطِ فكثرَ حديثُهم، والكلُّ عن اجتهادِ، وقد توسَّعَ أصحابه من بعده في الشُّروطِ فكثرتْ رواياتُهُم، وروى الطَّحاويُّ فأكثرَ، وكتبَ مسندًا. انتهى (1) .

فانظرْ هذه الكلمات لابن خلدون بالنَّظرِ المقرونِ بحسنِ الظُّنون يظهرُ لك أنَّ تلكَ الكلمةَ الواقعةَ في (( مقدِّمةِ ابنِ خلدون ) )زلَّةٌ قلميَّةٌ من نفسِهِ أو نسَّاخِ أو مهتمي (2) طبعهِ أو من دسائسِ المفتونِ.

فإنَّهُ لو كانَ عنده أنَّهُ لم تبلغْهُ إلاَّ سبعةَ عشرَ من رواياتِ صاحبِ الشَّرعِ المتينِ لمَّا عدَّهُ من كبارِ المجتهدين، ولمَا شهدَ بمهارتِه، وعلوِّه في الحديث، ولمَا ذكرَ العذرَ في قلِّةِ رواياتِهِ الحديث.

الثَّاني: إنَّ مَن طالعَ تصانيفَ تلامذةِ الإمامِ أبي حنيفةَ التي أسندوا الرِّوايات فيها، وخرَّجوها بأسانيدها ورووا فيها عن أبي حنيفةَ كـ (( موطأ الإمامِ محمَّدٍ ) )، وكتابِ (( الحججِ ) )له، وكتابُ (( الآثار ) )، و (( السِّيرِ ) )له، وكتابُ (( الخراجِ ) )للقاضي أبي يوسفَ و (( الأمالي ) )له وغير ذلك من ما لا يعدُّ، وُجِدَ فيها الرِّواياتِ عن الإمامِ عن أساتذتِهِ بسندِهِم إلى النَّبيِّ - صلى الله عليه وسلم - وأصحابه، أزيدُ من مئةٍ بل مئتين، لا بل تزيدُ على ألفٍ وألفين، فمع ذلك القول بأنَّ رواياته بلغت سبعةَ عشرَ ليس إلا كالقولِ بأنَّ رواياتِ البُخاريِّ لم تصلْ إلى ستَّةَ عشر.

(1) من (( مقدمة ابن خلدون ) ) (ص312) .

(2) في الأصل: (( مهتممي ) ).

حجم الخط:
شارك الصفحة
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت