فهرس الكتاب

الصفحة 278 من 346

فمن ذلك أن يكون معناه: فإنك لا تُسمع الموتى ، بطاقتك وقدرتك ، إذ كان خالق السمع غيرك ، ولكن الله تعالى ذكرُهُ هو الذي يُسمع إذا شاء ، إذ كان هو القادر على ذلك دون من سواه من جميع الأنبياء ، وذلك أن الهداية من الكفر إلى الإيمان ، والتوفيقَ للرشاد ، بيد الله دون من سواه ، فنفى جل ثناؤه عن محمد - صلى الله عليه وسلم - أن يكون قادرًا أن يسمع الموتى إلا بمشيئته ، كما نفى أن يكون قادرًا على هداية الضُلال إلى سبيل الرشاد إلا بمشيئته .

وذلك يبين أنَّه كذلك في قوله: { إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) } ( __ ) ، إنه جل ثناؤه أثبت لنفسه من القدرة على إسماع من شاء من خلقه ، بقوله { إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ } ( __ ) ، ثم عن محمد - صلى الله عليه وسلم - القدرة على ما أثبته وأوجبه لنفسه من ذلك ، فقال له: { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) } ( __ ) ، ولكن الله هو المسمعهم دونك ، وبيده الإفهام والإرشاد والتوفيق ، وإنما أنت نذير ، فبلِّغ ما أُرسلت به . فهذا أحد أوجُهِهِ .

والثاني: أن يكون معناه: فإنك لا تسمع الموتى إسماعًا ينتفعون به ، لأنهم قد انقطعت عنهم الأعمال ، وخرجوا من دار الأعمال إلى الجزاء ، فلا ينفعهم دعاؤك إياهم إلى الإيمان بالله والعمل بطاعته ، فكذلك هؤلاء الذين كتب ربك عليهم أنهم لا يؤمنون ، لا يسمعهم دعاؤك إلى الحق إسماعًا ينتفعون به ، لأن الله تعالى ذكره قد ختم عليهم أن لا يؤمنوا ، كما ختم على أهل القبور من أهل الكفر أنَّهم لا ينفعهم بعد خروجهم من دار الدنيا إلى مساكنهم من القبور ، إيمانٌ ولا عمل ، لأن الآخرة ليست بدار امتحانٍ ، وإنما هى دار مجازاة ، وكذلك تأويل قولهِ تعالى { إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ (22) } ( __ ) ، وغير ذلك من وجوه المعاني.

حجم الخط:
شارك الصفحة
فيسبوك واتساب تويتر تليجرام انستجرام
. . .
فضلًا انتظر تحميل الصوت