والصواب من القول في ذلك أنّ كلتا الروايتن اللتين ذُكِرَتْ عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - في ذلك صحيحة ، عدولٌ نقلتها ، فالواجب على من انتهت إليه ، وقامت عليه حجةُ خبر الواحد العدل ، الإيمانُ بها ، والإقرارُ بأن الله يُسمِع من شاء من خلقه من بعد مماته ، ما شاء من كلام خلقه من بني آدم وغيرهم على ما شاء ويُفهم من شاء منهم ما شاء ، ويُنعِّم من أحب منهم بما أحب ، ويُعذِّب في قبره الكافر ومن استحق منهم العذاب كيف أراد ، على ما جاءت به عن رسول الله - صلى الله عليه وسلم - الآثار ، وصحَّت به الأخبار .
ليست في قول الله غز وجل لنبيه - صلى الله عليه وسلم - { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى وَلَا تُسْمِعُ الصُّمَّ الدُّعَاءَ إِذَا وَلَّوْا مُدْبِرِينَ (80) } ( __ )
ولا في قوله: { إِنَّ اللَّهَ يُسْمِعُ مَنْ يَشَاءُ وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } ( __ ) حجة لمن احتج في دفع ما صحت به الرواية عن رسول الله من قوله لاصحابه ، إذ قالوا له في خطابه أهل القليب بما خاطبهم به: ( ما أنتم بأسمع لما أقول منهم ، ولا في إنكاره ما ثبت عنه - صلى الله عليه وسلم - من قوله لأصحابه مخبرهم عن الميت في قبره: وقوله { وَمَا أَنْتَ بِمُسْمِعٍ مَنْ فِي الْقُبُورِ } ( __ ) ، وقوله { إِنَّكَ لَا تُسْمِعُ الْمَوْتَى } ( __ ) ، مُحتمِلًا من التأويل أوجهًا سوى التأويلِ الذي تأوله إلى أنه لا ميتَ يسمعُ من كلام الأحياء شيئًا .