إن من مقتضى العدل، وانطلاقًا من الشرع الحنيف، لا بد أن يكون هناك موقف يقفه هذا الإنسان، ليحاسب على عمله، ويجازى على فعله، بعد انتهاء حياته الدنيا، وينتقل إلى حياة أخرى التي هي بداية الحياة الأبدية، ألا أنها حياة البرزخ، لينعم أو ليعذب، حتى تتحقق العدلة الإلهية، وحتى يوفى الجميع ويطمئن قلبه، أن لهذا الكون إلهًا عادلًا، لا يظلم مثقال ذرة، قال تعالى {وَأَنَّ اللَّهَ لَيْسَ بِظَلَّامٍ لِلْعَبِيدِ}
فإن الإله الذي خلق، والذي كلَّف الإنسان، من موجبات عدله، وشرعه الحنيف، وجود هذه الحياة البرزخية، التي هي بداية الحياة الأخروية.
ثانيًا: ضرورة عقلية.
إن حياة البرزخ ليست ضرورة شرعية فقط، بل هي ضرورة غقلية أيضًا، إذ أن العقول السليمة، والفطرة المستقيمة ترى أن حياة الإنسان بعد موته لحسابه ومجازاته، ومنها حياة البرزخ، من أهم ضرورات الحياة الطبيعية، الحياة المستقرة الآمنة التي تتمتع بالأمن والأمان، إذ لا بد أن يكون هناك وقفة مع هذا الإنسان بعد الحياة الدنيا، لكي يجازى كل إنسان على عمله وفعله، وما كسبت يداه، وينعَّم المحسن، يعذَّب المذنب، لأن العقول السليمة، والفطرة القويمة، في هذه الحياة الدنيا، تقول للمحسن في عمله وأفعاله وسلوكياته أحسنت ويجازيه على إحسانه، وتقول للمسيئ أسأت وتعاقبه على إساءته، وذلك في أدنى فعل من أفعله، أو في قول من أقواله، فهو محاسب عليه، مجزيٌ به، فكان من باب أولى أن يحاسب هذا الإنسان بعد موته على حياته، وأعماله كلها، ومن ذلك وفي مقدمته - حياة البرزخ - استعدادًا للحياة الأخروية الأبدية، ومن هنا كانت حياة البرزخ ضرورة عقلية، فضلًا عن كونها ضرورة شرعية.
8 حياة البرزخ وأثرها في سلوك الفرد والجماعة.