فهرس الكتاب
ولا شك أن العبد إذا خلى بنفسه طالبًا للهدى، ومتجردًا من الهوى، ومعرضًا عن مقاييس الدنيا ثم نظر فيما أسدى الله تعالى إليه من سابغ النعم وكثرة لطف الله به عند الشدائد والضيق والحرج، وهو لا يستغني عن ربه لحظة ثم هو يبارز ربه بالعصيان تهاونًا بشيء من الفرائض، وتركًا لبعض الواجبات، وارتكابًا لأمور من المحرمات، مع أنه لابد ميت، وقادم على ربه، ومسؤول بين يديه عن عمله، فليعد للسؤال جوابًا، وليكن الجواب صوابًا، ولا شك أن العاقل المنصف إذا نظر هذا النظر، ستذرف عيناه الدمع؛ خجلا من سوء معاملته لربه المنعم عليه، ورهبة من هيبة الوقوف بين يديه، وخوفًا من الفضيحة على رؤوس الأشهاد، والخزي بدخول النار وبئس المهاد.
والمرء في كل يوم من أيامه في نهاية عمر قد مضى فانهدم، وبداية عمر قد بقي ـ الله أعلم بقدره ـ، وربما لم يبق منه شيء يذكر، فحري بالعاقل الذي يدرك أن مضي الأيام يهدم العمر، ويبعد من الأمل، ويدني من الأجل، ووشك انقطاع العمل أن يحاسب نفسه ويقوم عمله لكي يداوم على العمل الصالح، ويتوب من القبائح، ويغتبط بالاهتداء، ويقلع عن الاعتداء، فذلك أنفع لنفسه في حاضره وأخف لحسابه في غده، وأرشد له في عاقبة أمره.
فالتفكر والنظر في العمل والاستعداد الصحيح للمستقبل ينفع العاقل في جميع مراحل عمره:
أ فحري بمن قد أشمط شعره، وقوس ظهره، وأتته أعراض الشيخوخة من كل جهة، وهو لا يزال مصرًا على التصابي، أن يفر إلى ربه، ويعود إلى رشده، بصالح العمل، والتوبة من التقصير في حق الله عز وجل، فإن الأعمال بالخواتيم.