فيقول الله تعالى: {يَاأَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا كُونُوا ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ... ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? ? } [الصف:14] ، صدق الله العظيم، ثم ليعلم الجميع أن الله تعالى هو الحق، وقوله الحق، ووعده حق، ولقاؤه حق، وخلق الجن والإنس ليعبدوه بالحق، وأرسل رسله بالحق يدعون المكلفين إليه ويبشرون من قبله، فآمن به، وعمل بمقتضاه بالثواب العظيم، وينذرون من رده، واتبع ضده بالعذاب الأليم. وأن ضد الحق هو الباطل، داعيته إبليس، ووسائله الأهواء والشهوات والشبهات، ودعاته جند إبليس من شياطين الجن والإنس، {يُوحِي بَعْضُهُمْ إِلَى بَعْضٍ زُخْرُفَ الْقَوْلِ غُرُورًا} [الأنعام:112] ، وينفذون من السمع والبصر والفؤاد، ومن كل منفذ يوصلهم إلى مقصودهم، فيغرون بالشهوات، ويثيرون الشبهات، ويحرضون على اتباع الأهواء، ويزينون الباطل، ويستعينون ـ غالبًا ـ بالمنافقين والنساء، ومرضى القلوب والأعداء، ويصدون عن الحق بما استطاعوا من هذه الوسائل، والباطل وأهله في النار.
فلكل من الحق والباطل دعاة وجنود وأنصار، فانظر ـ أيها العاقل ـ من أي الفريقين أنت؟
ولكل من الحقّ والباطل أيضًا أسباب، ووسائل، وأساليب، وغايات، ولو شاء الله تعالى لنصر الحق وأهله بأمره الكوني القدري، فإنه تعالى إذا أراد شيئًا أن يقول له كن فيكون، فإن ذلك لا يعجزه سبحانه، وليس بعزيز عليه، ولكن اقتضت حكمة الله تعالى أن يبلو الفريقين بعضهم ببعض؛ ليتميز كل حزب، ويتحقق الاختيار، ويقع الجزاء على الأعمال المكتوبة في سجل الحفظة بعد أن يعلن كل حزب عن نفسه، ويشهد الناس عليه باختياره لنفسه ومجاهدته فيما يهواه، والمؤمنون منهم هم شهداء الله في أرضه، من شهدوا له بخير وجبت له الجنة، ومن شهدوا عليه بشر وجبت له النار، حتى يرى الناس في الدنيا والآخرة أن الجزاء يليق بالأعمال، ويتجلى عدل الله تعالى فيمن كذبه وعصاه، ويتجلى فضله على من أطاعه واتقاه.